دَلالاً في مَياديِنِ الجِهادِ |
وتيهاً بالجِراحِ وبالضِّمادِ
|
ورَشْفاً بالثغورِ من المَواضي |
وأخذاً بالعِناق من الجِهاد
|
وَعبّاً مِن نميرِ الخُلد يَجري |
لِمُنْزَفَةٍ دِماؤُهم صَوادي
|
وَتَوطيناً على جَمرِ المنايا |
وإخلاداً إلى حَرِّ الجِلاد
|
وَإقداماً وإنْ سَرَتِ السَواري |
بما يُشجي وإن غدتِ الغوادي
|
وبذلاً للنفيِس مِن الضحايا |
فَأنْفَسُ منهم شَرفُ البلاد
|
حُماةَ الدارِ مسَّ الدارَ ضُرٌّ |
ونادى بافتقادكُمُ المُنادي
|
أرادَتْكُمْ لِتكفوها فُلُوْلاً |
مُعرِّزةٍ كأرتالِ الجَراد
|
وشاءتْكُمْ لتنهطِلوا عليها |
هُطولَ الغيثِ في سَنةٍ جَماد
|
وطافَ عليكُمُ حُلُم العَذَارَى |
مُروَّعةً كُحِلْنَ مِن السُهاد
|
يَشُوْقُ الذائدينَ على المَنايا |
نداءُ العاجزاتِ عنِ الذياد
|
تطَلعَتِ العيونُ إلى خُيولٍ |
مُحجَّلةٍ مُنشَّرَةِ الهوادي
|
خبَرْنَ رَحَى الوغَى فعن اعتِسافٍ |
يَدُرنَ مدارَها وعنِ اعتماد
|
إذا الرِجّلانِ مسَّهما لُغوبٌ |
شأتْ بهما اليدانِ عن ارتِداد
|
عليها كلُّ أُغلَبَ أرقميٍ |
يَبيسِ العَينِ ريّانِ الفؤاد
|
زَوَتْ ما بين جَفْنَيْهِ هُمومٌ |
نَفَتْ عن عينهِ دَرَنَ الرُقاد
|
وشدَّتْ خافِقَيهِ فلن يَرِّفا |
إذا التقيا على الكُرَبِ الشِّداد
|
وكلُ مُسَعَّرِ الجَمراتِ يُكسَى |
من الغَبَراتِ ثوباً من رماد
|
تَمرَّسَ بالحُتوف فلا يُبالى |
أحادَتْ عنهُ أم عَدَتِ العوادي
|
ويا جُثَثاً يَفوحُ المجدُ مِنها |
فتَعَبقُ في الجبالِ وفي الوِهاد
|
سَقَتْكِ الصائباتُ مِن التَّحايا |
مُعطَّرَةً فما صَوبُ العِهاد
|
أعزُّ الناسِ في أغلى مماتٍ |
وَخيرُ الزرعِ في خيرِ الحَصِاد
|
ويا مُتَقربين إلى المنايا |
يَشُقُّ عليِهمُ وطءُ البِعاد
|
رأيتُ الجودَ ملهاةً يُجازَى |
بها اللاهي بحَمْدٍ مُستفاد
|
ومُتَّجَراً يدُرُّ المجدَ ربحاً |
لكُل مُسلِّفٍ بِيضَ الأيادي
|
يُؤدِّي الناسُ ما وَهَبَتَْ كِرامٌ |
وتدفَعُهُ المحافِلُ والنّوادي
|
ولكِنْ ثَمَّ للبلوى مِحَكٌّ |
تَميزُ به البخيلَ مِنَ الجواد
|
هُنالِكَ إذ يَشُقُّ على المفدَّى |
فَكاكُ إسارِهِ منْ كفِّ فادي
|
تفيضُ النفسُ لا تدري جزاءً |
- ولا تبغي – إلى يوم المعاد
|
ولا يَختَالُ – صاحبُها ازْدِهاءً |
بما أسدى – على هامِ العباد
|
وروحٍ من " صلاح الدّينِ " هَبَّتْ |
من الأجداثِ مُقلَقَةَ الوِساد
|
تَسَاءَلُ هل أتَتْ دوَلٌ ثمانٍ |
ضِخامٌ ما أتاه على انفراد
|
وما أضفى الحديثُ على قديمٍ |
وما ألقى الطَريفُ على تلاد؟
|
وما عِند الدُهاة منِ انْتقامٍ |
ومن أخْذٍ بثأرٍ مُستقاد؟
|
وهل ضاقوا وهمْ كُثْرٌ ذِراعاً |
بداهيةٍ نهضتُ بها دَآد
|
مَشَيْتُ بطبِّها عَجِلاً فطابت |
عواقُبها ، وساروا باتِئاد
|
بلى كانوا ومَنْ عادَوْا تبيعاً |
وكنتُ المستقِلَّ ومَن أُعادي
|
ومعتدّاً وما تُجدي حياةٌ |
إذا خلتِ النفوسُ مِن اعتِداد
|
حَماةَ الدّارِ لم تَتْركْ لشعري |
فِلَسْطينٌ سوى كَلِمٍ مُعاد
|
بَكَيْتُ مصابَها يَفَعاً ووافَتْ |
نِهايَتهُا وخَمْسونٌ عدادي
|
قَدَحْتُ لها رَويَّاً من زِنادِي |
وصُغْت لها رَّوِيَّا من فؤادي
|
وألقَيْتُ الظِِلالَ على القوافي |
عليها يصْطَفقْنَ مِنِ ارتعاد
|
وهل عندي سوى قلبٍ مريرٍ |
أُذَوِّبُهُ بكأسٍ مِن سُهاد
|
حماةَ الدارِ إنّي لا أُماري |
وإن قلتُ الجديدَ ولا أُصادي
|
وليس تملُّقُ الجُمْهورِ مني |
ولا التَّضْليلُ من شيمي ونادي
|
حماةَ الدارِ من عشرينَ عاماً |
تقضَّتْ فاتَنا يومُ التَّنادي
|
دعانا وعدُ بلفورٍ وثنّى |
وثلّثَ صائحُ البلدِ المُذاد
|
ونادتْنا بألسِنَةٍ حِدادٍ |
دِماءٌ في قرارةِ كلِّ وادي
|
ومَوجاتٌ من الكُرَبِ الشدادِ |
تراوَحُ بانتقاصٍ وازدياد
|
فكنّا نسْتَنِيمُ إلى قُلوبٍ |
قَدَدْناها من الصُّمَ الصِلاد
|
وكنّا نستجير إلى زعيمٍ |
كلِيلِ السيفِ لمّاع النِّجاد
|
كَذوبِ الدَّمع يسمَنُ في الرَّزايا |
ويَدْعَرُ وهو يَرْفُلُ في الحِداد
|
وكنا نمتطي مُهْرَ الطِراد |
فِلَسْطيناً إلى يومِ اصطياد
|
وكانَتْ دَلْوَ نّهازين مدّوا |
بها واستنفدوا ملء المزاد
|
وَعَدْناها بثأرٍ مستقادِ |
ومجدٍ قد أضَعنا مُسْتَعاد
|
بتصريحٍ وصاحبِه مفادِ |
وتصريحٍ يَظَلُّ بلا مفاد
|
ومؤتمرٍ تعجَّلَ عاقدوه |
ومؤتمرٍ سيؤذِنُ بانعقاد
|
حماةَ الدارِ ما النَّكساتُ سِرٌّ |
ولا شيءٌ تَلفَّفَ في بِجَاد
|
ولا لُغْزٌ يَحارُ المرءُ فِيهِ |
فَيَجهلُ ما سُداسٌ مِنْ أُحَاد
|
ولكِن مِثلَما وَضَحتْ ذُكاءٌ |
ونَوَّرَ حاضِرٌ منها وبادي
|
فما ذَهبَتْ فِلَسطينٌ بسحر |
ولا كُتِبَ الفناءُ بلا مِداد
|
ولا طاحَ البِناءُ بلا انحرافٍ |
ولا بَنَتِ اليهودُ بلا عِماد
|
وما كنتْ فِلَسْطينٌ لِتَبقى |
وجيرتُها يُصاحُ بها بَداد
|
وسِتُّ جِهاتِها أخذت بجوعٍ |
وجهلٍ ، واحتقارٍ ، واضطهاد
|
شعوبٌ تستَرقُّ فما يُبَقّي |
على أثرٍ لها ذُلُّ الصِّفاد
|
تُساطُ بها المواهِبُ والمزايا |
وتُحتَجزُ العقائدُ والمبادي
|
وتَطْلُعُ بينَ آونةٍ وأُخرى |
" بحجَّاج " يُزَيَّفُ أو " زياد "
|
فَيُذوي الخَوفُ منها كُلَّ خافٍ |
ويُصمي الجَوْرُ منها كلَّ بادي
|
وتُنتَهَبُ البلادُ ومِنْ بَنيها |
يَؤوبُ الناهبون إلى سِناد
|
وتَنطلِقُ المطامعُ كاشراتٍ |
تُهدِّدُ ما تُلاقي بازدراد
|
وتَنطبِقُ السُّجونُ مُزمجراتٍ |
على شبَهٍ ، وظَنٍّ ، واجتهاد
|
حُماةَ الدارِ ، ما ميدانُ حَربٍ |
بأعنفَ من مَيادينِ اعتقاد
|
فَمثلُكُمُ من الأرواح جسمٌّ |
تُقاسي الموتَ من عَنَتِ الجهاد
|
وأخلاقٌ تضيق بِمُغْرياتٍ |
شدادٍ في خُصومَتها لِداد
|
تَكادُ تَطيحُ بالعَزماتِ لولا |
رُجولَةُ قادرينَ على العِناد
|
رُجولةُ صائمينَ ولو أرادوا |
لكانوا الطاعمينَ بأيّ زاد
|
ومَعركةٍ يَظَلُّ الحقُّ فيها |
يُسالِمُ أو يُهادِنُ أو يُبادي
|
وميدانٍ وليس لنازليهِ |
سوى الصَّبرِ المثلَّم من عَتاد
|
وكانتْ في السُّطوحِ مَزعزَعاتٍ |
خُطوطٌ يرْتَسِمْنَ منَ الفَساد
|
فها هي فرطَ ما جَنَتِ الجواني |
إلى عُمقٍ تَغَّورُ وامتداد
|
لقَد شبَّتْ عنِ الطَّوقِ المخازي |
وكانَتْ بنتَ عامٍ في مِهاد
|
حُماةَ الدارِ ، لولا سُمُّ غاوِ |
أساغَ شَرابَه فَرطُ التمادي
|
وَلَوْغٌ في دم الخِلِّ المُصافي |
فقل ما شِئتَ في الجنِفِ المُعادي
|
ولبَّاسٌ على خَتَلٍ وغَدْرٍ |
ثيابَ الواقفينَ على الحِياد
|
وَخِبٌ لا يُريكَ متى يُواتي |
فتأمنَ سرَّهُ ومتى يُصادي
|
تَطلّعُ اذ تَطلّعُ في رَخِيٍّ |
وتَقرَعُ حين تَقرعُ في جَماد
|
ولولا نازلونَ على هواه |
سُكارَى في المحبّةِ والوداد!
|
نَسُوْا – إلا نفوسَهُمُ – وهامُوا |
غراماً حيثُ هامَ بكلِّ واد
|
أجرّهُمُ على ذَهبٍ ، فَجرّوا |
فِلسطيناً على شوكِ القَتاد
|
وقادُوها له كَبْشَ افتداءٍ |
صنيعَ الهاربينَ منَ التّفادي
|
لكنتم طِبَّ عِلَتِها ، وكانت |
بكم تُحدَى على يدِ خيرِ حادي
|
حُماةَ الدارِ لم تَزَلِ اللّيالي |
يُطوِّحُ رائحٌ منها بغادي
|
ولا تَنفكُّ داجيةٌ بأخرى |
تَعثَّرُ لم يُنِرهْا هَدْيُ هادي
|
ولا تألو الضلالَةُ وهي سِقطٌ |
تُكابرُ أنّها أمُّ الرَّشاد
|
حماةَ الدار كلُّ مَسِيلِ ظُلمٍ |
وإن طالَ المدى فإلى نَفاد
|
وكلُ مُحتَشَّدٍ فإلى انِفِضاضٍ |
وكلُ مُفرَّقٍ فإلى احتشاد
|
فصبراً ينكشِفُ ليلٌ عميٌ |
وينَحسرِ البياضُ عن السواد
|
وتَتَضِحِ النفوسُ عن الخبايا |
ويُفصِحُ مَنْ يُريدُ عن المراد
|
وتَندفِعِ الشعوبُ إلى محجٍّ |
مُبينِ الرُشدِ موثوقِ السَّداد
|
وتُؤذنْ جذوةٌ إلى انْطِفاءٍ |
يَؤولَ مآلُها أم لاتّقاد
|
ومهما كانتِ العُقبى فَلستُمْ |
بمسؤولينَ عن غيبٍ مُراد |