طالَتْ – ولو قَصُرَت يدُ الأعمارِ - |
لرَمتْ سِواكَ عَظُمْتَ مِنْ مُختارِ
|
من صفوةٍ لو قيلَ أيٌّ فَذُّهُمْ |
لم تَعْدُ شَخْصَكَ أعينُ النُظَّار
|
لكن أرادتْ أن تحوزَ لنفسها |
عَينَ القِلادةِ فازدَرَتْ بنُثار
|
وأرى المنايا بالذي تختارُهُ |
للموتِ عاطلةً ، وذاتَ سِوار
|
فطوَتْكَ في دَرْج الخُلودِ فعطَّرتْ |
بك سالفَ الأحقابِ والآثار
|
واستنزلَتْكَ لغُربةٍ ولأنتَ مِن |
عَلياك في لَجِبٍ من الأنصار
|
وتجاهَلتْ أنَّ البلادَ بحاجةٍ |
لكَ حاجةَ الأعمى إلى الإِبصار
|
مُدَّتْ من الأُخرى إليك معاصمٌ |
مِن رفقةٍ لك قادةٍ أبرار
|
خُلصاءِ سَعيِكَ في الجْهاد وإخوةٍ |
لكَ في الوفاءِ المحضِ والإِيثار
|
ورفاقُ هذي الدار فيما أسلَفوا |
للكاتِبَيْنِ رفاقُ تلكَ الدار
|
بَكَرَ النَّعِيُّ فما سَمعتُ بمِثْلها |
عِبءاً على الأسماعِ والأبصارِ
|
رَمتِ العَماياتُ العيونَ وصَكَّتِ الأسماعّ |
صافرةٌ مِن الإِنذار
|
وترنَّحَ الأحرارُ يؤذِنُ بَعضُهُمْ |
بعضاً بفقدهُمِ أبا الأحرار
|
لله درُّكُّ مِن نقيٍّ لم يَنَلْ |
أذيالَهُ وَضَرٌ مِن الأوضار
|
في حيثْ تزدحِمُ الشكوكُ وترتَمي |
شُبُهاتُها حتَّى على الأخيار
|
خاضَ السياسةَ وانجلى عن لُجَّها |
ألِقَ الجبينِ مكلَّلآً بالغار
|
في حينَ رامَ سِواه خوضَ عُبابها |
فطغى عليه فضاعَ في التَّيار
|
وصليبُ عُودٍ حينَ بعضُ مُرونةٍ |
في ضَعفها خطرٌ مِن الأخطار
|
وطَريُّ نفسٍ حينَ بعضُ صلابةٍ |
في عُقمها حجرٌ مِن الأحجار
|
وخَفيُّ كيدٍ حيثُ يسمو كائدٌ |
ومن المكايدِ جالبٌ للعار
|
وصريحُ رأيٍ لم يَحِد عن خُطَّةٍ |
ليلوذَ من تأويلها بجِدار
|
حَرْبٌ على مُستعمِرٍ وربيبهِ |
ومُسالِمٍ مُستَعْمِراً ومُجاري
|
أعزِزْ عليَّ " أبا عزيزٍ " أنْ أرى |
حُضَّارَ حفلِكَ زائغي الأبصارِ
|
خَلَتِ المحافلُ من عُلاك وأوحشتْ |
من بَعْد وجهِكَ ندَوةُ السُمَّار
|
وتَعَرَّتِ الأنظارُ عن مُستَشرِفٍ |
بادي السَّنا ، عالٍ على الأنظار
|
ولقد يَعِزُّ عليكَ أنَّكَ لا تَرى |
في " الأرْبِعاء " مواكبَ الزُّوّار
|
أأبا عزِيزٍ كنتَ تُذكي جذوتي |
ويَلَذُّ سَمْعُك مَنطقي وحِواري
|
غوْثَ الصريخِ ، أتتك تُعوِلُ حُرَّةٌ |
حَّراءُ صارخةٌ من الأشعار
|
هَيَّجتَ منّي أيَّ داءِ كامنٍ |
وقدحتَ منّي أيّ َزندٍ واري
|
قسَماً بيومِكَ والفُراتِ الجْاري |
والثورةِ الحمراء والثُّوّار
|
والأرضِ بالدَّمِ ترتوي عن دِمْنَةٍ |
وتَمُجّهُ عن روضةٍ مِعطار
|
والخيلِ تَزحفُ لم تَدَعْ لمُغيِرها |
جثثٌ تُغَطي الأرضَ أيَّ مُغار!
|
قسَماً بتلكَ العاطفاتِ ولم تكُنْ |
لي قبلَها من حِلْفةٍ بالنَّار
|
إنَّ الذينَ عهِدتَهُم حطَبَ الوغى |
لولاهُم لم تشتعِل بأوار
|
والَّلاقِحينَ نَتاجَها بأعزِّ ما |
ملَكَتْ يمينٌ من حِمىً وذمار
|
والداهناتِ دماؤُهم لِمَمَ الثَّرى |
والمُؤنساتِ شواطئَ الأنهار
|
والناحرينَ مِنَ الضَّحايا خيرَ ما |
حَمَلَت بُطونُ حرائرٍ أطهار
|
ما إنْ تَزالُ حقوقُهُمْ كذَويهمُ |
في الفَقْر سارحةً معَ الأبقار!
|
وأعزُّ ما تبغي الحلائلُ مِنهمُ |
أنْ تُسترَ العَوراتُ بالأطمار
|
خمسٌ وعشرونَ انقضَتْ وكأنَّها |
بشخُوصِها خَبَرٌ منَ الأخبارِ
|
ضِقنا بها ضيقَ السجينِ بقيدهِ |
من فَرْطِ ما حَمَلَتْ من الأوزار
|
وتَجَهَّمَتْ فيها السماءُ فلم تَجُدْ |
للخابطينَ بكوكبٍ سيَّار
|
شاخَ الشبابُ الطّيبون وجُدّدتْ |
فيها شَبيبةُ شِيخةٍ أشرار
|
وبدا على وَجهِ الحفيدِ وجدِّه |
للناظرينَ تقارُبُ الأعمار
|
مَن كان يحسَبُ أنْ يُمَدَّ بعُمره |
حُكْمٌ أقيمَ على أساسٍ هاري؟!
|
مَن الفظاعةِ أنْ تُريدَ رَعيَّةٌ |
في ظِلِّ دُستورٍ لها وشِعار
|
ما يَطلُبُ المأسورُ من يدِ آسرٍ : |
إسداءَ عارفةٍ وفَكَّ إسار
|
ورِوايةٍ حبَكَ الزَّمانُ فُصولَها |
فبدَتْ لنا ممسوخةً الأدوار
|
من شرّ ما اختلقَ الرُّواةُ ،وَلفَّقتْ |
حِيلٌ ، وضمَّتْ دَفَّةُ الأسفار
|
وممثلينَ تصنّعاً ووراءَهمْ |
خَلْفَ السِتار مُلّقِنٌ مُتواري
|
ومفّرِقينَ مَذاهباً وعناصراً |
مُتَكَفِّلينَ سياسةَ استعمار
|
نزلوا على حُكم الغريبِ وعَرَّسوا |
في ظِلِّ مأْثَمةٍ له وفَجار
|
وتحلَّبُوا أوطارَهُ فاذا بها |
وَشَلٌ لِما استحلى من الأوطار
|
واستفرَشَ الشعْبُ الثرى ، ودُروبهُمْ |
مملوءةٌ بنُثارةِ الأزهار!
|
وتحَّلأَ الجَمْعُ الظِماءُ ووُكِّلَتْ |
أبناؤهم بالوِرد والإِصدار
|
ذُعِر الجْنوبُ فقيلَ : كيدُ خوارجٍ ! |
وسكا الشَّمالُ فقيلَ : صنْعُ جِوار!
|
وتنابزَ الوَسطُ المُدِلُّ فلم يَدَعْ |
بعضٌ لبعضٍ ظِنَّةً لفَخار
|
ودعا فريقٌ أنْ تسودَ عَدالةٌ |
فرمُوا بكلِّ شنيعةٍ وشَنار!
|
ومشَى المغيثُ على الجياع |
– يَقوتهُمْ – وعلى العُراةِ ، بجحفلٍ جرّار
|
وتساءلَ المتَعَجِّبونَ لحالةٍ |
نكراءَ : مَنْ هُم أهلُ هذي الدار؟
|
هِيَ للصحابةِ مِن بَني الأنصار |
من كلِّ بَدريٍّ وكلّ حَواري
|
للحاكمينَ بأمرِهم عن غَيرِهم! |
ولصَفْوةِ الأسباطِ والأصهار
|
من كلِّ غازٍ شامخٍ في صدره |
زاهي الوسامِ ، مدِّوخِ الأمصار
|
هيَ للذينَ لو امتحنتَ بلاءهم |
لعجِبتَ من سُخْريَّةِ الأقدار
|
هي للذي من كلِّ ما يَصِمُ الفتى |
كاسٍ ، ومن جُهْدٍ يُشرّفُ عاري
|
ومُسلَّطٍ لمُسَلَّطينَ مشتْ به الأهواءُ |
مِشيةَ مُثقَلٍ بخُمار
|
نَسِيَ المُعيرَ ولو تذكَّرَ لأنثنى |
خَزْيانَ من ثوبٍ عليه مُعار
|
كم رامَ غيرُكَ مِثلَها فأحلَّهُ |
نزَقُ الغُرور بشَرِّ دارِ بَوار
|
بل لو تذكَّرَ لم يجدْ لضميرهِ |
ومصيرهِ عَوناً من التَّذكار
|
لم يبقَ إلَّا أنْ تُتَمَّمَ خطوةٌ |
ويظَلَّ يَلعبُ لاعبٌ بالنار
|
فلَرُبَّما نفَتِ الشَّكاةَ وقرَّبَتْ |
يومَ الخلاصِ سياسةُ الإصرار
|
أأبا عزيزٍ والحديثُ كما رَوَوا |
شَجَنٌ ، ومُرُّ القول عذْبٌ جاري
|
ومن العواطفِ ما يثورُ ويَغتلي |
مثلَ الجحيم ، ويرتمي بشِرار
|
عَفْواً وإنْ شطَّ المَدى عن غايتي |
ونبَتْ جيادُ الشعر عن مِضماري
|
فلقد تَحَشَّدَتِ البواعثُ واشتكَتْ |
صَمْتَ القريض لِفَحْلهِ الهدّار
|
ولقد عَهِدْتُكَ بالبلاد وأهلِها |
جَمَّ الشُجونِ ، مُوزَّعَ الأفكار
|
ووجدتُ قَدْحَ الذكريات شجيَّةً |
بَرْداً لِأفئدةٍ عليك حِرار
|
وعَرَفتُ أشجاناً يثيرُكَ بَعْثُها |
فأثَرْتُهُنَّ فطِرْنَ كُلَّ مطار
|
إيهٍ شبابَ الرافدين ومَنْ بهم |
يرجو العراقُ تَبَلّجَ الأسحار
|
الحاملِينَ مِنَ الفوادحِ ثِقْلَها |
ليسوا بأنكاسٍ ولا أغمار
|
والَّذائِدينَ عن الحياض إذا انتحَتْ |
كُرَبٌ ، ولاذَ مُكابرٌ بفِرار
|
والباذلينَ عن الكرامة- أُرخصَتْ - |
أغلَى المُهورِ ، وأفدحَ الأسعار
|
الفَقْرَ إذ طُرقُ الغِنى مفتوحةٌ |
والبؤسَ إذ غَدقُ النعيم جواري
|
ومؤَّججينَ نفوسَهمْ وقُلوبَهمْ |
شُعَلاً يسيرُ على هُدها الساري
|
والحابسينَ زئيرَهم بصدورهم |
فإذا انفجرنَ بهِ فأيُّ ضواري
|
والقانعينَ مِن الحياة رخيَّةً |
بلُماظَةٍ ، ومن الكَرى بغرِار
|
والمغرِياتُ مُراوداتٌ ترتجى |
وتَخيبُ ، من عُونٍ ومن أبكار
|
لا تيأسوا أنْ يَلُحْ مِن ليلةٍ |
فجرٌ ، ولم تؤذِنْ بضوءِ نهار
|
فلئِنْ صَلِيتُمْ مِن هَناةٍ جَمْرها |
ومشَيْتُمُ منهنَّ فوق شِفار
|
فطِوالُ مُحْرِجةِ الأمور وإنْ قَسَتْ |
في شِرعةِ التأريخِ جِدُّ قِصار
|
لا بُدَّ أنْ يَثِبَ الزَّمانُ ، وينثني |
حُكمُ الطُغاةِ مُقَلَّمَ الأظفار
|
وتُجَدِّدَ الأيَّامُ عَهْدَ وصالِها |
مِن بَعدِ إعراضٍ لها ونِفار
|
فهُناك سوفَ يكونُ من زَهَراتِكم |
أصفى معارِفها وأطيبُ جار
|
وهناكَ سوفَ يَرى الغَنيِمةَ معشرٌ |
أنْ يُمْسِكُوا من خَلْفِكُمْ بغُبار
|
فحَذارِ من عُقبى القُنوطِ حذارِ |
وبِدارِ للعهدِ الجديدِ بِدار |