رونقٌ في الثَّرى وعلى الروضةِ |
لطفٌ من السَّما مسكوبُ
|
ما أرقَّ الأصيلَ سال بشفَّافِ |
شعاعٍ منه الفضاءُ الرحيب
|
كلُّ شيءٍ تحت السماء بلونٍ |
شفقيًّ مورَّدٍ مخضوب
|
وكأن الآفاقَ تَحْتَضِنُ الأرضَ |
بآصالِها إطارٌ ذهيب
|
مَتّعِ العينَ إنَّ حُسناً تراهُ |
الآنَ من بعدِ ساعةٍ منهوب
|
والذي يخلَعُ الأصيلُ على الأرض |
بكفِّ الدُّجى أخِيذٌ سليب
|
منظرٌ للحقولِ إذ تُشرقُ الشمسُ |
جميلٌ وإذ يَحيِنُ الغروب
|
ولقد هزّني مسيلُ غديرٍ |
مِنْ على جانبيهِ روضٌ عشيب
|
يُظهِر الشيءَ ضدُّه .. وتُجارى |
بسواها محاسنٌ وعيوب
|
وكذاكَ المرعى الخصيبُ يُحلّيه |
إلى الناظرينَ مرعىً جديب
|
ثمَّ دبَّ المَساءُ تَقْدمُه الأطيارُ |
مرعوبةً وريحٌ جَنوب
|
وغناءٌ يتلو غناءً ورُعيانٌ |
بقُطْعانِهم تَضيقُ الدروب
|
يَحْبِسُ العينَ لانتشار الدياجي |
في السَّما منظرٌ لطيفٌ مَهيب
|
شفَقٌ رائعٌ رويداً رويداً |
تحتَ جُنحٍ من الظلام يذوب
|
وترى السُحبَ طيَّةً تِلوَ أُخرى |
قد أُجيد التنسيقُ والترتيب
|
وتراها وشعلةً الشفقِ الأحمرِ |
تبدو أثناءها وتغيب
|
كرَمادٍ خلاَّهُ وانزاحَ عنه |
قبسٌ وسْطَ غابةٍ مشبوب
|
ثمَّ سدَّ الأفقَ الدُّخانُ تعالى |
من بيوتٍ للنارِ فيها شُبوب
|
منظرٌ يبعثُ الفراهة والأنسَ لقلبِ |
الفلاّح حين يئوب
|
يعرفُ اللقمةَ الهنيئةَ في البيتِ |
مُجدٌّ طولَ النهار دَءوب
|
بُرهةً ريثما انقضى سمرٌ |
تقطرُ لطفاُ أطرافُه وتَطيب
|
واستقلَّ السريرَ أو حُزمةَ القشِّ |
أريبٌ . نِضْوٌ . حريبٌ . تَريب
|
سكنَتْ كلُّ نأمةٍ واستقرَّتْ |
واستفزَّ الأسماعَ حتَّى الدَّبيب
|
واحتواهمْ كالموتِ نومٌ عميق |
وتغشَّاهُمُ سكونٌ رهيب
|
ولقد تَخرِقُ الهدوءَ شُويهاتٌ |
وديكٌ يدعو وديكٌ يُجيب
|
أو نداءاتُ حارسٍ وهو في الأشباح |
لاحتْ لعينه مستريب
|
أو صدَى " طَلقةٍ " يبيتُ عليها |
أحدُ الجانبينِ وهو حريب
|
تركَ الزارعُ المَزارعَ للكلب |
فأضحى خلالَهنَّ يجوب
|
شامخٌ كالذي يُناطُ به الحكمُ |
له جَيئةٌ بها وذُهوب
|
كانَ جُهدُ الفلاّحِ خفَّف عنه |
جَهدهُ فهو مُستكِنٌّ أديب
|
وهو في الميلِ غيرهُ الصبحَ وحشٌ |
هائجٌ ضيِّق الفؤادِ غَضوب
|
فاحصٌ ظُفْرَه ونابيهِ أحلى |
ما لديهِ أظفارهُ والنُيوب
|
إنَّه عن رِعاية الحَقلِ مسئول |
على ترك أمره معتوب
|
وكثيراً ما سرَّه أنَّه بات |
جريحاً .. ورأسًه مشجوب
|
ليرى السيّدُ الذي ناب عنه |
أنَّ حيوانَه شُجاعٌ أريب
|
ولكيلا يرى مُسامحةً |
يَعدِلُ منها لغيره ويُنيب
|
للقُريَّاتِ عالَمٌ مُستقلٌّ |
هو عن عالَمٍ سواه غريب
|
يتساوى غروبُهم وركودُ النفس |
منهم وفجرهُم والهبُوب
|
كطيور السماءِِِ همّهُمُ الأوحدُ |
زرعٌ يرَعْونه وحبوب
|
يلحظون السماءَ آناً فآناً |
ضحكُهم طوعُ أمرها والقُطوب
|
أتُرى الجوَّ هادئاً أمْ عَصوفاً |
أتصوبُ السماء أمْ لا تصوب
|
إن يومَ الفلاّحِ مهما اكتسى حُسناً |
بغير الغيومِ يومٌ عصيب
|
وهو بالغيمِ يخنقُ القلب والأفقَ |
جميلٌ في عينه محبوب
|
للقُرى روعةٌ وللقرويِّين |
إذا صابَ أرضهم شُؤبوب
|
تُبْصِرُ الكلَّ ثمَّ حتى الصَّبايا |
فوقَ سِيمائهم هناءٌ وطِيب
|
يُفرِح البيتَ أنَّه سوف تُمسي |
بقراتٌ فيه وعنزٌ حَلوب
|
ويرى الطفلُ أنَّ حصتَّه إذْ |
يُخصبُ الوالدان ثوبٌ قشيب
|
أذكياءٌ .. عيونُهم تسبقُ الألسُنَ |
عمَّا ترومه وتنوب
|
والذي يَستمدُّ من عالم القريةِ |
وَحياً وعيشةً لَلبيب
|
مطمئنونَ يحلُمونَ بأنَّ الخيرَ |
والشرَّ كُلّهُ مكتوب
|
لا يطيرونَ من سرورٍ ولا حزنٍ |
شَعاعاً ، لأنه محسوب
|
ولقد يغضَبون إذ ينزلُ الغيثُ |
شحيحاً ...والأرضُ عطشى تلوب
|
أتُرى كانَ يعوِز اللهَ ماءٌ |
لو أتتْ دِيمةٌ علينا سَكوب
|
ثمَّ يستفظعون إثمَ الذي قالوا |
فينوونَ عندهُ أنْ يتوبوا
|
فإذا الشمسُ فوقهم فيقولون : |
أعُقبى إنابةٍ تعذيب ؟
|
أفإيمانُنا بعيدٌ عنِ الخيرِ |
وُكفراننا إليه قريب..!
|
هكذا يَرجِعُ التقىّ أمامَ |
العقلِ وهو المشكِّكُ المغلوب
|
قلتُ إذ رِيعَ خاطري من مُحيطٍ |
كلُّ ما فيه موحشٌ وكئيب
|
ليس عدلاً تشاؤمُ المرءِ في الدنيا |
وفيها هذا المحيط الطَروب
|
مِلءُ عينيكَ خضرة تًستسرٌّ |
النفسُ منها وتُستطار القلوب
|
عندَهم مثلَ غيرِهم رغباتٌ |
وعليهمْ كما عليه خطوب
|
غير أنّ الحياةَ حيثُ |
تكونُ المدنيَّاتُ جُلّها تعذيب
|
كلَّما استُحدثتْ ضروبُ أمانٍ |
أعقبتها من البلايا ضروب
|
وكأنَّ السرورَ يُومِض برقاً |
من خِلال الغيومِ ثمَّ يَغيب
|
لا ترى ثَمَّ – غيرَ أن يتركَ الحبُّ |
شحوباً – وجهاً علاهُ الشحوب
|
ثمّ لاشيء عن سنا الشمس ممنوعٌ |
ولا عن طلاقةٍ محجوب
|
الهواءُ الهبَّابُ ، والنورُ ، |
والخضرةُ تأتي ما ليس يأتي الطبيب
|
ثمّ باسمِ الحصادِ في كلّ حقلٍ |
تتناجى حبيبةٌ وحبيب
|
قال فردٌ منهمْ لأخرى وقد |
هَيَّجَ نفسيهما ربيعٌ خصيب
|
طابَ مَنشا زروعِنا فأجابت : |
إنَّ نشءاً يرعاهُ كْفءٌ يطيب
|
قال ما أصبرَ الحقولَ على الناسِ |
فقالتْ ومثلُهنَّ القلوب
|
إنّ ما تفعلُ المناجلُ فيها |
دونَ ما يفعلُ الشجا والوجيب
|
ينهضُ الزرعُ بعدَ حصدٍ وقد |
يُجتثُّ من أصله فؤادٌ كئيب
|
يا فؤادي المكروبُ بعثرَكَ الهمُّ |
كما بُعثِرَ الثرى المكروب
|
وعيوني هلاّ نَضبتِ .. وقد ينضبُ |
من فرطِ ما يسيل القليب
|
عندَهم منطقٌ هنالكَ للحبِّ |
جميلٌ وعندَهم أُسلوب
|
ولهم في الغرامِ أَكْثَر ممّّا |
لسواهمْ مضايقٌ ودروب
|
مُلَحٌ خُصصِّتْ لهم ونِكاتٌ |
ملؤهنَّ الإبداعُ والتهذيب
|
ثَمَّ تحتَ الستارِ ممتَلكٌ بالحبِّ |
عفواً .. ومثلُه مغصوب
|
إنهمْ يُذنبونَ . ثم يقولون: |
محالٌ أنْ لا تكونَ ذُنوب
|
نحنُ نبتُ الطبيعةِ البِكرِ فينا |
حسناتٌ منها .. وفينا عيوب
|
بنتُنا وابنُنا معاً يرقُبانِ الزرعَ |
والضرعَ .. والضمير رقيب
|
ليس ندري ما يفعلانِ ولا نعلمُ |
عمَّا زُرّتْ عليه الجيوب
|
ما علينا ما غابَ عنَّا فعندَ |
اللهِ تُحصى مظاهرٌ وغيوب
|
غيرَ أنَّا ندري وكنَّا شباباً |
نتصابى أنَّ الجمالَ جَذوب
|
والفتى ما استطاعَ مُندفِعٌ نحو |
الصباباتِ .. والفتاةُ لَعوب
|
بالتصابي يُذكي الشبابُ ويغتُّر |
كما بالرِّياح يُذكى اللهيب
|
ثمّ عندَ اللقاء يُعرفُ إن كان |
هنلكم " نجيبةٌ ..! " أو نجيب..
|
إنّ بعضَ الرجال يبدو أمامَ الحبِّ |
صُلباً والأكثرون يذوب
|
والتجاريبُ علَّمتنا بأنّ المرءَ |
غِرٌّ يُقيمه التجريب
|
ليس بِدعاً أن نَستريبَ ولكن |
نتمنىَّ ألاّ نرى ما يُريب
|
ليس فينا والحمدُ للهِ حتى الآنَ |
بيتٌ " إناؤهُ مقلوب "
|
فإذا كانَ ما نخافُ فهرقُ الدّمِ |
سهلٌ كما تُراقُ ذَنوب
|
منطقٌ للعقولِ أقربُ ممَّا |
يدَّعيه أخو عَفافٍ مُريب
|
ولقد يرمزونَ " عنَّا " بأنَّا |
كلُّ ما في محيطنا مَثلوب
|
فيقولون: قد تطيحُ من العارِ |
بيوتٌ .. وقد تثورُ حروب
|
والخَناسبَََََّةٌ علينا ولكن |
في القُرى كلُّ ناقصٍ مسبوب
|
عندنا كالفتى " الخفيفِ " لئيمٌ |
وجبانٌ ، وغادرٌ ، وكذوب
|
يُخجِلُ الناسَ في القُرى أنَّ فرداً |
من أُلاءٍ عليهمُ محسوب
|
إنَّه من خصائص المدنيَّاتِ |
إليها شنارهُم منسوب
|
في القُرى يوسعوننا وصماتٍ |
مُخجِلٍ أمرها " البداةَ " مَعيب
|
فيقولونَ : كلُّ شيءٍ صريحٍ |
عندنا – عندكم خليطٌ مَشوب
|
شُوّشَتْ منكم وسيطتْ سِماتٌ |
ولُغاتٌ ولهجةٌ وحليب
|
إنَّكم من نماذجِ العَربِ الساطينَ |
ظُلماً عليهم تعريب..!
|
كجليبٍ من البضائعِ يأتيكم من |
العالمينَ وجةٌ جليب
|
هو منكمْ كالأهلِ في كلِّ شيءٍ |
وهو فينا عن كلِّ شيءٍ جنيب
|
إنَّكم تمدحونَ خُبثاً وعدواناً |
وغدراً كأنما المرءُ ذيب |