- أو تحلم ؟
|
أحلم أن أكتب شيئا ما،
|
عن عينين مهاجرتين إليّ أصقاع الأرض
|
أسافر في عمقهما
|
نحو بساتين بلاد أثقلها الأبناء بأوزار الغربة ،
|
أقرأ أسماء نباتات
|
وأرى في البحر عذاب البحر ،
|
ولكنَّي أحمل مرساة وأقول :
|
أراك غدا ذات نهار جبليًّ يتوزّع بالعدل ،
|
ولا تعلن أطيار البحر المتغرَّب عن موعد ،
|
أسفاري
|
فأروح إلى زاوية معتمة يسترها الضوء ،
|
يزيَّنها الأسف الغلاَّب ،
|
وأسأل عن كلمات للبدء ،
|
ولا أبدأ إلا بيدين ملوَّحتين ،
|
على شرفات البين ،
|
كطيرين وحيدين ،
|
تفرُّ الكلمات تفرُّ تفرُّ إلى الداخل ،
|
أرسم نافذة للبحر .
|
أطالب بالألعاب المنفيَّة عن مدن الأطفال ،
|
أحاول أن أملك شيئا ما ،
|
قبَّعة ،
|
أو عصفورا ،
|
أو تذكرة ،
|
في أول طائرة نحو براري الموت ،
|
عرفت كثيرا ولذا أصمت ،
|
آن لقلبي أن يبدأ بالأهداب ،
|
ويحمل زوَّادة أمّي السريَّة ،
|
في هذا الدرب الوحشيَّ ويمشي ،
|
يمشي ، عشَّاق الأرصفة انتشروا ..
|
خاصرة الوقت تميل إلى جبل من وجع الشارع ،
|
هل أقرأ في هذا الوجه دما وطريقا .
|
أين أرى وجهي الأول ،
|
أين سأعقد ساريتي .
|
قدّامي الصحراء ،
|
وقدّامي زهر الصحراء ،
|
وقدّامي الهمُّ الصحراويُّ ،
|
فما هذا الشارع ..
|
تاريخ للوحشة والسفر التائه والكلمات المرّة
|
هذا الشارع يتفرّع من شجر الأجساد الجوَّالة ،
|
يرجف وينزُّ مواجد في مملكة الأسئلة الأولى
|
عندي الوجد ، وعندي الوعد ،
|
ولكنّي بعد قليل سأجرَّع نفسي الفاقة ،
|
أو أقتل ،
|
في أوج الفرح الناريَّ المتوهَّج في صحن الشارع ،
|
أو في زاوية في المقهى
|
لا تغرف شجر الكلمات ،
|
ولا حزن الصبَّار الطالع في عينيَّ،
|
وصوتي يصرخ في بريَّة عمّان المتلألأة بفنون
|
الأزياء،
|
وجوع الفقراء،
|
فيا عمَّان ،
|
أقلَّي من هذي الزخرفة،
|
صراخ البريَّة ينفذ عبر شريين العتمة ،
|
ويلفعني الغيم الأسود ،
|
صوتي والمأذنة المهدومة والطرقات وما لا أذكر ،
|
يسكب في آنية اللحظة هذا الحزن الفوَّار ،
|
أقول سلاما يا طرقات الأرض ،
|
سلاما يا أوراقي البيضاء السوداء ،
|
سلاما يا مطرا لم يسقط من سنوات في هذا المنفى
|
وسلاما ليديَّ المتعبتين ،
|
لأكواب الشاي الصفراء ،
|
سلاما لجلال السيدَّة الصامتة الآن أمامي
|
وسلاما للأشياء المجهولة ،
|
والأرواح المشتعلة في هذا النعش .
|
النعش فضاء حجري
|
وسنابك خيل ،
|
ومناجيق ،
|
وأبواب موصدة ،
|
تحبل هذه الساعات الرمليّة بحليب التين ،
|
وتطلع بأعاجيب مطرَّزة بالوهم الليليَّ ، فهل نتجول في هذا
|
القفر معا ؟
|
نتجوَّل في الساحات المطعونة ،
|
سهمين من الدهشة والرعب،
|
نوسَّوس في صدر الأرض ،
|
لتنهض أزهار وينابيع من الردم العربيَّ ،
|
سأهتف :
|
عيناك السابحتان ببحر الألوان طريق،
|
قبّرتان مهاجرتان بلا خارطة ،
|
أو مأوى
|
خدّاك شموس وعناقيد أجاص،
|
شعرك شلال من ضوء وسنابل،
|
عنقك قارورة شهد،
|
نهداك بلاد شاسعة ،
|
أحتاط من الرجفة إذ أحلم بالرمَّان الساطع ..
|
خصرك هذا الضامر بستان من صبوات طريد اللهفة ،
|
اقتربي حتى لا تشتعل يداي،
|
اقتربي حتى أتزوَّد بالنار ،
|
ويأخدني الرقص إلى الغابة ..
|
يا سنبلة تتأرجح في الريح ،
|
فيسندها الصدر المسكون بأزهار اللوتس والنرجس ،
|
ينزلها الضلع ،
|
يظلَّلها بالآلهة والقبلات ،
|
فهل نتجوَّل في هذا القفر معا،
|
نتواصل خارج دائرة الخوف العصريَّ
|
ونلجأ داليتين وراء السور ،
|
هنالك أعشاب ،
|
وحساسين ،
|
وموسيقى،
|
وهناك بكارة كلَّ الأشياء تفيق ،
|
فتستيقظ .. نبدأ في النقش .
|
ننقش فوق سرير الماء ، وأعراف الأفراس البريَّة
|
وجه غزالتنا القزحية ،
|
نقرأ في كرَّاس الأفق غموض اللون ،
|
فنركض ، نركض ، نركض،
|
مثل وعول أفزعها المطر السريُّ،
|
ونلقي جسدينا في ماء النهر ،
|
فيكشفنا القمر المتلصَّص عبر شقوق الغيم ،
|
سندعو القمر إلى بوَّابتنا كي يسهر معنا
|
يا قمر تعال تعال لتلعب معنا
|
يا قمر الأعشاب الصيفيّة لا تنفعك العزلة ،
|
فتعال إلينا ،
|
سنبلَّل خدّك بالقبل الريَّانة ،
|
نرشق وجهك بالأزهار ،
|
ونلعب حول البئر ،
|
ثلاثة أطفال يتعرَّون أمام جلال المعبود ،
|
ثلاثة أطفال
|
وثلاث فراشات حول البئر ،
|
توقّع موسيقى تكوين البدء المتألق ،
|
في أحداق تويجات الفجر المائيَّ ،
|
ولكن يا قمر الأعشاب الصيفيَّة ،
|
لا تخطف من عينيَّ حبيبي .
|
هذا الإنشاد المتهدَّج بالزفرة لحبيبي
|
هذا الزهر المتفتَّح والتجوال الفاتن مهر لحبيبي
|
سأجمَّع باقات الورد لأنثرها قدَّام حبيبي
|
سيمرُّ حبيبي الآن ..
|
سألت موظفة الهاتف : أين حبيبي
|
غاب إذن ؟
|
أيَّتها الشارات الضوئيَّة هل مرَّ حبيبي !
|
وامتدَّ سؤالي ...
|
عرَّش في كلَّ الطرفات ،
|
امتدَّ ، دخلت زحام الناس ،
|
واشتعلت الوقت وحيدا في دائرة الصمت الكبريتيَّ
|
سأجهر هذي اللحظة ،
|
بهموم القصب المتوحَّد ، في الوديان ،
|
سأجهر بأغاني النهر ، وهمهمة الجريان ،
|
سأجهر برياح البقعة ناشبة ،
|
في شبَّابات الرعيان ،
|
أدور هنا وهناك أوزَّع أرغفتي
|
من هذا المدَّثر بغبار الصحراء على طرف العاصمة
|
دعوني أتوقف بالباب لديه ،
|
فهذا السيَّد في الغرف التنكيّة أعرفه ،
|
هذا السيَّد في الغرف الإسمنتيَّة أعرفه ،
|
أعرف هذا الجوع ، الطين ،
|
الأطفال المسلولين ،
|
فهذا المدّثر أعطاني الشارة
|
قبل سنين،
|
وأودّعني سرَّ الدعوة للماء ،
|
سأجهر بحديث الماء ،
|
سأجهر بمزاميري الخاصة حتى تسَّاقط أوراق الورد ،
|
فهذا عزف حرَّاق ،
|
يرتعش عمودي الفقريُّ له ..
|
تشتعل عصافير الدوح وتنقر تفاحة قلبي
|
أيتها الفارعة كصفصاف النهر ،
|
الوضاءة بعذاب الفجر ،
|
حضورك يسطع في أنحاء المقهى العربيَّ اليابس ،
|
ليس الأفق رماديا ،
|
الأفق دم وأوز يتقافز
|
وغبار من قاموس القلب ،
|
الأفق كتاب ، رؤيا
|
ليس الأفق رماديّا
|
ليس الأفق رماديا
|
ها هي عمَّان البدويّة ، عمّان المتحضَّرة ،
|
وعمَّان السلوان ،
|
سيقتلني الكتمان ،
|
سيقتلني هذا اللغز الواضح ،
|
فتعالي من صحراء الزرقاء إليّ،
|
تعالي من أية ناحية في الوحدات ،
|
سأعزف بعض الوقت ، تعالي واستمعي لي .
|
من أول غابة ليمون في الكرمل ، حتى أخر منديل .
|
هذا منديلك ، أتيمَّم بالمنديل ،
|
ويحضرني وجهك ،
|
في زحمة هذا المقهى العابق بحرير ملابسك الوضَّاحة ،
|
هذا المقهى العربيَّ توزَّع لحمي فيه ،
|
فقاسمني الرواد تهاليل الجوع اليوميَّ،
|
لهذي الريح الجوَّالة غنَّيت :
|
لنا يوم بالفرح الريفيَّ يجيء
|
ولي وجهك هذا الشجريُّ يضيء ..
|
على قارعة الشارع ينبت زعترنا البلديُّ ،
|
سأفرش سجَّادة أمي تحت شبابيك خريفك ،
|
أتسلَّح بجراد وزروع
|
أهتف :
|
هذا ليل لا يلبث أن يذهب ،
|
هذا ليل لا يلبث أن يذهب ،
|
فليتألق اسمك تحت رماد القتلى المنسيين على
|
مدَّ الأعراس ،
|
سأرسم تحت الأقواس ،
|
هلالين وحيدين ،
|
هلالا لدموعك ، وهلالا لرجوعك ،
|
وأناديك ،
|
فآن هززت المنديل ،
|
رأيت سرورا وحشيّا في عينيك ،
|
حضنت أصابعك المشتعلات لهيبا بين ضلوع الآه
|
وزيتا لقناديلي
|
برعمت الأرض ونوَّر لوز المنفى فاستمعي لي
|
من أول غابة ليمون في الكرمل حتى آخر منديل
|
-أي الألوان تحبُّ ...؟
|
* الحنطيّ..
|
-وأيُّ
|
*جراح الشفق الحمراء ،
|
جلال الزرقة في أشجار قميص بحريًّ،
|
-اتفكر ...؟
|
*أحلم ..
|
-بالرقص؟
|
*بأسافر النورس والرقص ..
|
-و...
|
*أحلم باللبلاب على درج في الذاكرة يموج ،
|
سأختصر الوقت على قدح ،
|
وأحاور في الخمر الشفَّاف ،
|
تضاريس الزعتر والصفصاف ،
|
أقول :
|
مغنيك مريض بالشفقيات إلى حدَّ الروعة ،
|
والآنية تضيق ،
|
وها هو ذا
|
يبحث في عمان عن الأيام .
|
يبحث عن سيدة كان يسمَّيها أنثى النهر ،
|
فيا سيَّدة النهر وأنثاه ،
|
رأيتك في طابور الأيتام
|
وقرأت على تطريز ثيابك ،
|
تنويعا للريح الغربية أبلغ من أيَّ كلام
|
وقرأت على الأكمام
|
أشكالا تتحفّز للوثب ،
|
فقلت وجدتك يا أمي
|
ووجدت مغنيك المتوغل في الرمل ..
|
توضأ بالحزن العربيّ وقام .
|
وتزوَّد بالماء،
|
بأطيار وحوريان البحر،
|
بغزلان الوعر،
|
بحنّون الساحل وقرنفله البريَّ،
|
وجاء
|
فانتظريه يشقُّ البحر إليك صباحا
|
وانتظريه مساء. |