عَمّا بِصَباحِ العِلمِ رَغَداً وَاِنعَما |
بِرَبعٍ ظَلامُ الجَهلِ عَنهُ تَصَرَّما
|
قَد اِنصاحَ صُبحُ السَعدِ في لَيلِ نَحسِهِ |
فَغادَرَهُ شَيئاً فَشَيئاً مُهَزَّما
|
وَثابَ إِلَيهِ العِلمُ عَدُوّاً بِعودِهِ |
إِلَيهِ فَلا لَومٌ إِذا ما تَلَوَّما
|
فَأَصبَحَ داجي أُفقِهِ اليَومَ زاهِراً |
وَقَد كانَ زاهي أُفقِهِ قَبلَ مُظلِما
|
وَأَينَعَ ذاوي رَوضِهِ اليَومَ بُعدانَ |
تَصَوَّحَ مِن عَصفِ البَوارِجِ في الحِمى
|
تَرَنَّحَ عَطفُ السَعدِ مِنهُ بُعَيدَ أَن |
رَأى لِثُغروِ العِلمِ فيهِ تَبَسُّما
|
وَباتَت غُصونُ العِزِّ تَخطُرُ عِندَما |
رأَت فَوقضها طَيرَ المَعارِفِ حَوَّما
|
لَعَمرُكَ إِنَّ الشَرقَ رُدَّ بَهاؤُهُ |
فَيَرفُلُ في ثَوبِ النِساءِ مُنَمنَما
|
وَعادَ إِلَيهِ الفَضلِ وَالعودُ أحَمدُ |
عَلَيهِ إِذا كانَ الغِيابُ مُذَمَّما
|
وَما الشَرقُ إِلّا ذَلِكَ الشَرقُ لَم يَزَل |
مَدى الدَهرِ أَعلامَ العِلى مُتَسَنَّما
|
فَإِن نابَهُ يَوماً مِنَ الدَهرِ صَرفُهُ |
فَلَم تَمضِ إِلّا بُرهَةً فَتَثَلَّما
|
وَإِما تَطِش دَهمَ اللَيالي سِهامَهُ |
فَهَيهاتَ لَم تَسلِبهُ لِلحَظِّ أَسهُما
|
وَإِن فاتَهُ لِلفَضلِ غَيثٌ فَإِنَّما |
تَوَخّى إِلَيهِ الرَجعَ جَمّاً فَعَتَّما
|
وَإِن تَعرُهُ الأَحداثَ مِن بَعدِ بَسطَةٍ |
فَيُّ الوَرى لَم يَلقَ بوسى وَأَنعُما
|
وَإِن يَكُ يَوماً سَوَّدَ الجَهلَ أُفقَهُ |
فَقَد طالَما في الفَضلِ أَطلَعُ أَنجُما
|
نُجومَ عُلومٍ أَخجَلَت بِضِيائِها |
نُجومُ ضِياءٍ لَحنَ في كَبَدِ السَما
|
بِهِنَّ أَهتَدي في سَيرِهِ كُلٌّ بارِجٍ |
تَوَغَّلَ في بَحرِ الكِيانِ الَّذي طَمى
|
رِجالٌ بِهِم جادَ الزَمانُ وَعلُهُ |
عَلى مِثلِ هَذا الجودِ يَوماً تَندَما
|
أضقامَهُم في الشَرقِ يُحيونَ شَأنَهُ |
فَإِذا هَل عَمّا نالَ عاداً وَجَرَّهُما
|
هُمِ المَلَأُ الأَخيارُ وَالعُصبَةُ الأولى |
رَأَينا لَعَمري الرُشدُ فيهِم مُجَسَّما
|
تَظَلَّمَ مِنهُ الفَجرُ قَبلَ مَجيئِهِم |
فَجاؤوا فَلَمّا أَثَقَلوهُ تَظَلَّما
|
لَكُم أَرهَفوا بِالجِدِّ لِلمَجدِ مِخذَما |
وَكَم أَرَ عَفواً بِالحَزمِ لِلدَهرِ مَرغَما
|
وَسَلوا مِن الآراءِ أَبيَضَ صارِما |
فَفَلّوا مِنَ الأَرزاءِ بَحراً عَرَمرَما
|
أَماطوا قِناعَ المَكرُماتِ وَقَد جَلوا |
مُحَيّا المَعالي بَعدَ أَن كانَ اِسحَما
|
وَاِعلوا مَنارَ الرُشدِ في أُفقٍ شَرقَهُم |
وَخَلّوا سَبيلاً أَضحَت إِلى النُجحِ سَلما
|
وَأَجروا يَنابيعَ المَعرِفِ في المَلا |
فَطالَ بِها بِنتَ المَعاني وَقد نَما
|
وَشادوا أُصولاً لِلفُنونِ وَأَوضَحوا |
لَها سُبُلاً أَضحَت إِلى النُجحِ سَلما
|
فَنِعمَ رِجالِ الشَرقِ قَوماً وَمَعشَراً |
فَطالَ بِها بَنَتِ المَعاني وَقَد نَما
|
جَروا في رِهانِ الفَضلِ في أَوَّل المَدى |
سِباقاً كَما أُجرِيَت أَجرَدَ شَيظَما
|
وَلَم يُرهِبوا مِن دونِها في جِهادِهِم |
خِطاراً فَقَد خالوا التوقي تَقَحُّما
|
فَهُم أَسَّسوا رُكنَ الحَضارَةِ في الوَرى |
وَلَم يَفعَلوا إِلّا لِنُدرِكَ مَغنَما
|
وَهُم أَكنَهوا سِرَّ المَعارشفِ أَوَّلاً |
وَهُم عيفوا نَفعَ العُلومِ مَقدَما
|
فَلَمّا أَحَلَّ اللَهُ فيهِم قَضاءَهُ |
وَأَوفاهُم داعي الرَدى مُتَخَرِّما
|
طَوَتهُم أَيادي البَينِ مِن بَعدِ أَن رَموا |
مِنَ الهِمَّةِ الشَمّاءِ أَبعَدَ مُرتَمى
|
فَغارَ ضِياءُ الشَرقِ عِندَ غِيارِهِم |
وَأَظلَمَ وَجهُ الشَرقِ وَقتاً وَاِقتَما
|
وَدالَت إِلى العَرَبِ العُلومِ مَعَ العُلى |
كَما حَكَمَ المُبدي المُعيدُ وَأَبرَما
|
وَأَوجَفَ رَكبُ السَعيِ في طَلَبِ العُلى |
فَكانَ بِذا الجَريِ الجَوادِ المُصَمَّما
|
وَباتَت بِلادُ الشَرقِ مِن بَعدِ عِزِّها |
كَأَن لَم تَنَل مَجداً وَلَم تَحوِ مَغرَما
|
إِلى أَن تَجلي طالِعُ العَصرِ بَعدَ أَن |
تَحَجَّبَ عَن تِلكَ الجَوانِبِ وَاِكتَمى
|
فَثابِتٌ لَدى إِشراقِهِ الهِمَمَ الَّتي |
عَنِ العِلمِ قَبلاً قَد تَقاعَسنَ نُوَّما
|
عَنِ العِلمِ حَقُّ العِلمِ بِالفَضلِ ظاهِرٌ |
فَذَلِكَ لِلأَلبابِ قَد كانَ الزَما
|
وَعَفَّت عَلى ما كانَ قَبلاً وَذَلَّلَت |
جِماحَ زَمانٍ قَد طَغى وَتَجَرَّما
|
فَإِن يَكُ خَسفَ الشَرقِ أَضحى مُحَلَّلا |
لَدَيهِ فَما كانَ الفَلاحُ مُحرِما
|
أَلا يا بَني الأَوطانِ إِنَّ عَلَيكُم |
إِلى السَعيِ في تِلكَ المَعالي التَقَدُّما
|
عَلَيكُم بِها فَاِسعَوا لَها وَتَشَبَّهوا |
فَمَن يُشبِهِ بِالكِرامِ تَكَرَّما
|
وَمَن قَصُرَت أَيديهِ فَليَسعَ طَوقُهُ |
وَمَن لَم يَجِد ماءً بِأَرضٍ تَيَمُّما
|
وَقَد نَكتَفي بِالطَلِّ إِن بانَ وابِلِ |
فَإِن اِعوِرارَ العَينِ خَيرٌ مِنَ العَمى
|
وَلا سِيَّما العِلمُ الشَريفُ فَإِنَّنا |
نَرى نَيلُهُ جَدّاً عَلى الكُلِّ مُغرَما
|
أَما نَحنُ مَن سَنّوا المَآثِرِ وَاِقتَفى |
مَآثِرَنا مَن بَعدَنا حازَ مُستَمى
|
أَلَم نُعلِ أَعلامَ العُلومِ بِقَطرِنا |
عَلى حينٍ حَدُّ السَيفِ يَرعَفُ بِالدِما
|
أَلَم نَكُ أَهلَ الأَولِيَةِ في العُلى |
لَيالي لَم نَقصُر عَنِ المَجدِ مُعزِما
|
بَلى نَحنُ كُنّا أَهلَها فازالَنا |
زَمانٌ تَوَخّى حَيفَنا وَتَحَكَّما
|
وَما زالَ أَهلُ الغَربِ يَدرونَ قَدرَنا |
عَلى مِنبَرٍ صَلّى عَلَينا وَسَلَّما
|
فَلا تَحسَبونا قَد عَرَينا وَطالَما |
جُرِرنا مِنَ الفَضلِ الرِداءِ المُرَقَّما
|
وَهُم أَثَروا عَنّا العُلومَ فَهَذَبوا |
فَجَرّوا عَلَينا مَطرَفَ المَجدِ مُعلَما
|
تَباروا بِعِلمٍ بِينَهُم وَتَنافَسوا |
فَلا جَرَمَأَنَّ العِلمَ سَرَّ فَاِشكَما
|
وَقَد بَلَغوا مِن باذِخِ العِزِّ مَنزِلاً |
يَظَلُّ لِسانُ الحالِ عَنهُ مُتَرجَما
|
إِذا نَظَرَ الشَرقِيُّ حالَ صَلاحِهِم |
بضكى صاحِبي مِنها دَماً عِندَما
|
فَيا وَطَني حَتّامَ تَلبِثُ غافِلاً |
وَحَتّامَ يا شَرقي أَراكَ مُهَوِّما
|
أَلَم تَدرِ بِالغَربِيِّ في الأَرضِ سائِحاً |
عَلى سابِحٍ مِن عِلمِهِ لَيسَ مُلجِما
|
فَلِلَهِ دَرُّ العِلمِ أَن جَداءَهُ |
لِمِمّا يَفوقُ العارِضَ المُتَسَجِّما
|
لَكُن نالَ مِن فَخرٍ وَأَيَّدَ صاغِراً |
وَكَم عالَ مِن فَقرٍ وَقَلَّدَ مُعدَما
|
وَكَم حَلَّ مِن عِيٍّ وَأَطلَقَ حَبَّةً |
وَكَم فَلَّ مِن غَيٍّ وَأَنطَقَ أَبكَما
|
فَمَن يَعتَصِم بِالعِلمِ يَظهَرُ بِهَديِهِ |
فَلَم يَكُ غَيرَ العِلمِ شَيءٌ لِيَعصِما
|
إِذا العِلمُ هَذا الحَقَّ ما فيهِ شُبهَةٌ |
وَحَسبُكَ بِالحَقِّ المُبينِ مُعَلِّما
|
وَمَن عَزَّ دونَ العِلمِ شَأناً فَإِنَّهُ |
لَسَوفَ يُلاقي أَمرَهُ مُتَحَتِّما
|
فَذو السَيفِ يَلقى العِزَّ حيناً وَمُفرَداً |
وَذو العِلمِ العِزِّ دَهراً وَتَوأَما
|
وَمَن نالَ أَخطارَ اليَراعِ فَإِنَّما |
سَتُرِنُ كَفّاهُ يَراعاً وَصَيلَما
|
فَسُعداً لِمَن في حَلبَةِ العِلمِ قَد جَرى |
وَسُحقاً لِمَن في حَلبَةِ العِلمِ أَحجَما
|
وَماذَلَّ مَن يَهوي العُلومَ وَإِنَّما |
تَسَوَّدَ مَن بِالعِلمِ كانَ مُتَيَّما
|
سَما بِالَّذي كانَ الحَضيضُ مَقَرَّهُ |
فَطَنَّبَ مِن فَوقِ الدَراري مُخَيِّما
|
فَما يَبلُغ المَنطيقُ وَصفَ جَدائِهِ |
وَلَو كانَ كُلُّ الكَونِ في وَصفِهِ فَما
|
فَحَثّوا مَطايا العَزمِ كَي تَظفَروا بِهِ |
تَنالوا بِيُمنِ العَصرِ مِنهُ المُيَمَّما
|
فَلا مُنيَةٌ إِلّا وَنِلتُم أَعِزَّها |
وَلَو أَنَّها باتَت عَلى روقٍ أَعصَما
|
لَئِن تَبذُلوا فيهِ النَفيسَ فَغَيرُكُم |
لِإِحرازِهِ هَلَكَ النُفوسَ تَجَشَّما
|
وَما غَيرُكُم وَاللَهِ إِلّا أُصولَكُم |
نُخبِرُ عَنهُم لا حَديثاً مُرَجَّما
|
وَقَومٌ هَدوا في الحَقِّ هَديُ جُددوكُم |
إِلى أَن غَدوا أَعلَينَ في الأَمرِ مِثلَما
|
أولَئِكَ قَد سادوا وَأَقصى نِكايَةٍ |
لَنا فيهِم القابَ عَلَجٍ وَأَعجَما
|
بِعِلمٍ إِذا ما باتَ فيهِم مُتَوَّجاً |
فَيا طالَما قَد كانَ فينا مُعَمَّما
|
فَأَمّا لَعَمري قُدوَةٌ بِمَعاصِرٍ |
وَأَمّا تُراثٌ لِلَّذي صارَ أَعظُما
|
وَلا نَحسَبُ الأضحوالَ وَهيَ عَوراِضٌ |
تُغَيِّرُ في أَصلِ المَبادي فَنَسأَما
|
وَأَمّا نَصَبنا في سَبيلِ جِهادِنا |
فَأَيِّ قَرارٍ لا يُقابِلُ مَخرَما
|
وَقَد أَشرَعَ الدَربَ الموصِلُ نَحوَهُ |
بِما شَفَعَ الرَحمَنَ فينا وَالهَما
|
فَلا صَدَفَت فِتيانُنا عَن وُلوجِهِ |
لَيَغدو بِهِم رَثُّ البِلادِ مُرَمَّما
|
وَيَرتَقِ فَتقُ الشَرقِ بَعدَ اِتِّساعِهِ |
وَيَرفى غِطاهُ بَعدَ ما قَد تَشَرَّما
|
فَإِنَّ الفَتى مِن زانٍ مَسقَطِ رَأسِهِ |
بِما نالَهُ مِن حِكمَةٍ وَتَعلَما
|
فَذاكَ الَّذي في بَردَةِ الفَضلِ يَنثَني |
وَلَيسَ الفَتى مَن بِالعَقيقِ تَختِما
|
فَإِن يَنتَظِم شَملُ الرِجالِ بِقَطرِنا |
تَرتُبُ فيهِ أَمرَنا وَتَنظُما
|
لِأَنَّ نَجاحَ الصَقعِ في حُسنِ أَهلِهِ |
إِذا كانَ أَمرِ الوُدِّ في القَومِ مُحكَما
|
وَكانوا كَما الأَعضاءُ في الجِسمِ فَاِغتَدى |
عَلى الكُلِّ مِنهُم خَيرُهُ مُتَقَسِّما
|
فَيَشتَدُّ أَزرُ القَومِ بَعدَ اِنحِلالِهِ |
إِذا شَدَّ مِن عَقدِ التَضافُرِ مُحزَما
|
إِذا نَبتَغي عِلماً بِدونِ تَضافُرٍ |
إِذاً فَاِتِّباعُ الجَهلِ قَد كانَ أَحزَما
|
وَكُلُّ اِمرِئٍ عَن قَومِهِ مُتَخَلِّفٌ |
فَلا يَعدُ مِنَ الدَهرِ لِلوَطءِ مَنسِما
|
فَكونوا كَجِسمٍ واحِدٍ أَن تَأَلَّمَت |
لَهُ أَنمُلٌ تَلقى الجَميعَ تَأَلُّما
|
تَفوزوا بِتَذليلِ الصِعابِ إِذا عَصَت |
وَتَقووا عَلى ذا الدَهرِ إِمّا تَهضِما
|
وَتَحظوا بِإِعلاقِ المُنى وَتَحَقَّقوا |
بِهِمَّتِكُم مِن عَصرِنا ما توسَما
|
هُوَ العَصرُ وافى ضاحِكاً عَن فُنونِهِ |
وَقَد كانَ مِن قَبلُ عَلَيكُم تَأَجَّما
|
تَبَدّى وَهَذا الجَهلُ في الناسِ سائِدٌ |
فَاِطرُق مِنهُ هَيبَةً وَتَحشَما
|
وَراحَ عَلى الدُنيا يَنُشُّ بَدائِعاً |
فَهَزَّ أَخاً عَشِقَ وَرَنَّحَ ضَيغَما
|
بِكُم مَعشَرَ الحُضّارِ تَزانُ أَرضُنا |
وَيُصبِحُ عَرضَ الخَسفِ فيها مُكَلَّما
|
تَجلوا عَن أَن تُرشِدوا مِن مُماثِلي |
وَلَكِنَّها ذِكرى لِما لَيسَ مُبهَما
|
كَفى عَصرَكُم فَخَروا وَعِزّاً إِذا اِدَّعى |
أَميرَ الوَرى عَبدَ الحَميدِ المُعَظَّما
|
لِيُجهِدَ في اِستِرجاعِ رَونَقَ شَرقَنا |
وَتَجديدَ ما مِن مَجدِهِ قَد تَهدِما
|
فَلا زالَ في عَصرِ الخِلافَةِ قائِماً |
لِما أَنادَ مِن أَمرِ العِبادِ مُقَوِّما
|
يَنُثُّ عَلَيهِ الخافِقانِ بِعَدلِهِ |
ثَناءً جَميلاً بِالدُعاءِ مُختِما |