لَكَ اللَهُ أَن شِئتَ الصَبوحَ فَبَكِّر |
بِكَأسٍ دِهاقٍ مِنحُمَيّا التَذَكُّرِ
|
وَغَنِّ عَلى ذِكرى اللَيالي الَّتي خَلَت |
قَصائِدَ أَن تُنشَد عَلى المَيِّتِ يَنشُرِ
|
فَقَد تَعجَبُ الذِكرى وَلَو لِفَجيعَةٍ |
وَيَشفي أُوارَ الصَدرِ فَرطَ التَحَسُّرِ
|
وَلَولا المَراثي وَالمَآقي وَراءَها |
لا فَنى الوَرى حَرَّ الأَسى المُتَعَسِّرِ
|
لَعَمرَكَ لا يَرجى لِنَشأَةِ مُقبِلٍ |
وَمُستَقبَلٍ مَن لَم يُفَكِّر بِمُدبِرِ
|
وَما هَذِهِ الدُنيا سِوا مُتَقَدِّمٍ |
يُكَرِّرُ تَجديداً عَلى مُتَأَخِّرِ
|
أَدِرها تَرِدِ الرُشدَ في عَقلِ ذاهِبٍ |
وَتُذهِبُ عَقلَ الراشِدِ المُتَبَصِّرِ
|
وَتُحيي لَنا عَهداً يُصَوِّبُ عِهادَهُ |
مَنازِلَ قَلبٍ مِن هَوى الذِكرِ مُقفِرِ
|
وَكائِنَةٌ لَم يَعرِفِ الدَهرَ أُختَها |
وَلا حَدَثَت عَن مِثلِها كُتبُ مُخبِرِ
|
يَكادُ الَّذي يَقرا غَريبَ حديثِها |
يَظُنُّ خَيالاً أَو أَحاديثَ مُفتِرِ
|
يَقولونَ كانَت أُمَّةٌ عَرَبِيَّةٌ |
بِأَندَلُس سادَت بِها جَمٌّ أَعصَرِ
|
وَقَد عَمَّرَتِ أَقطارُ أَندَلُسٍ بِهِم |
فَكَم بَلَدٌ فَخمٌ وَمِصرَ مُمصِرِ
|
وَكَم أَربَعث خَضرٍ وَحَرثٍ مُطَبَّقٍ |
وَفاكِهَةٍ رَغَدٍ وَزَهرٌ مُنَوِّرِ
|
وَكَم قائِدٌ قَرِمٌ وَجُندٌ مُدَرَّب |
وَكَم سائِسٌ فَحلُ وَأَمرٌ مُدَبَّرِ
|
وَكَم بَطَلٌ أَن ثارَ نَقعٌ رَأَيتَهُ |
يَبيعَ بِأَسواقِ المَنايا وَيَشتَري
|
وَما شِئتَ مِن عِلمٍ وَرَأيٍ وَحِكمَةٍ |
وَدَرسٍ وَتَحقيقِ قَولٍ مُحَرَّرِ
|
إِلى شَمَمٍ جَمٍّ وَمَجدٍ مُؤَثِّل |
وَفي عِزَّةٍ قَعساً وَوَفرٍ موفِرِ
|
نَعَم كانَ فيها مِن نِزارٍ وَيَعرُبٍ |
جُموعَ تَخَيُّلِ الأَرضِ في يَومِ مَحشَرِ
|
فَراحَت كانَ لَم تُغنِ بِالأَمسِ وَاِنقَضى |
لَهُم كُلَّ رَكزٍ غَيرَ ذِكرٍ مُعطِرِ
|
كَأَن لَم يَكُن بَينَ الحُجونِ إِلى الصَفا |
أَنيسٌ وَلَم يَسمَر هُناكَ وَيُسهِرِ
|
كَأَن لَم تَكُن في أَرصِ أَندَلُسٍ لَنا |
جَحافِلٌ إِن تَحمِل عَلى الدَهرِ يَذعُرِ
|
فَإِذا الَّذي أَخنى عَلَيها وَما الَّذي |
رَماها بِهَذا الخَسفُ بَعدَ التَصَدُّرِ
|
إِذا أَمَلَ المَرءُ البَصيرَةَ لَم يَجِد |
لَها عِلَّةً غَيرَ الخِلافِ المُتَبِّرِ
|
خِلافانِ هَذا بَينَ قَيسَ وَيَعرُبٍ |
مُقيمٌ وَهَذا بَينَ عُربٍ وَبَربَرِ
|
وَلا شَرٌّ يَحكي شَرَّ حَربٍ إِذا التَقَت |
صَناديدُ قَيسٍ مَعَ غَطاريفَ حِميَرِ
|
لَعَمرُكَ لَولا الخَلفَ لَم يَكُ مُشرِقٌ |
وَلا مَغرِبٌ يَعصي عَلَيهِم وَيَجتَري
|
لَقَد عَصَفَت في شِقَّةِ الغَربِ ريحُهُم |
فَسادَت وَلَكِن لَم تَكُن ريحٌ صَرصَرِ
|
فَقَد أَثَّلوا في أَرضِها مَدينَةٌ |
تَرى الخَصمَ في عَليائِها لَيسَ يَمتَري
|
وَسَوّوا جَميعَ العالَمينَ بِعَدلِهِم |
وَمَن يَتَمَسَّكَ بِالسَوِيَّةِ يَعمُرِ
|
وَلا عارَضوا في دينِهِ غَيرَ مُسلِمِ |
وَلا عامَلوا أَهلَ الكِتابِ بِمُنكَرِ
|
وَلا نَصَبوا ديوانَ تَفتيشَهُم عَلى |
عَقائِدِ أَقوامٍ بِحوسٍ وَيَفتَري
|
وَلا أَحرَقوا بِالنارِ مَن قيلَ إِنَّهُ |
عَلى صِلَةٍ مَعَ دينِهِ بِالتَسَتُّرِ
|
بِذَلِكَ هاتيكَ المَمالِكُ أَصبَحَت |
مِثالاً قَويماً لِلعُلى وَالتَحضُرِ
|
وَقَد صارَ نَهرُ الرَونِ ثَغرَ بِلادِهِم |
وَكَم صَبَغوهُ في الجِهادِ بِأَحمَرِ
|
وَشَكوا لِواهُم في ذَرى قَرقَشنَةٍ |
وَسَلوا عَلى نَربونَةٍ كلَّ أَبتُرِ
|
وَدانَت لَهُم صَيدَ الجَلاقَةِ الأُلى |
بَلى مِنهُم الرومانَ كُلَّ غَنضَفَرِ
|
وَلَم يَقِفِ البَشكَنسَ في وَجهِ زَحفِهِم |
وَلا أَوطَأوا الجُرمانُ ثَغرَةَ مِعوَرِ
|
وَأَن يَكُ لاقى الغافِقِيُّ حَمامَهُ |
وَمَحصَ في يَومِ البَلاطِ المُقَدَّرِ
|
فَقَد لَبِثَت مِن بَعدِ ذاكَ جُيوشُهُم |
تَعَرَّضَ دَهراً لِلفِرنجِ وَتَنبَري
|
يَقولُ الأُلى قَد شاهَدوا غَزَواتِهِم |
هُمُ العَرَبُ فَوقَ الخَيلِ أَم جَفنَ عَبقَرِ
|
وَصَقرُ قُرَيشٍ حينَ جاءَ مَشرَداً |
فَاِنشَبَّ فيهِم أَيَّ ظَفرٍ مُظَفَّرِ
|
وَشادٍ بِهاتيكَ القَواصي إِمارَةً |
لَها أَجفَلَ المَنصورَ والِدَ جَعفَرِ
|
وَخَلَّفَ أَملاكاً سَمّوا وَخَلائِقاً |
أَسوَدَ عِرينٍ مِنهُم كُلَّ مَخدَرِ
|
كَفى بِالإِمامِ الناصِرِ الفَذِّ عاهِلاً |
كَسى أُمَّةَ الإِسلامِ حُلَّةً مَفخَرِ
|
تَقبَلُ أَملاكَ الفِرِنجَةِ كَفَّهُ |
وَيَقصِدُ عالي بابِهِ وَفدَ قَيصَرِ
|
غَداةَ تَجَلّى لِلخِلافَةِ رَونَقٌ |
بِهِ ظَهرُ الإِسلامِ أَروَعَ مَظهَرِ
|
تَلَعثَمَ فيهِ كُلَّ رَبٍّ فَصاحَةً |
فَعَيّوا سِوى قاضي الجَماعَةِ مُنذِرِ
|
وَلا تُهمِلِ المُستَنصِرَ الحُكمَ الَّذي |
تَلاهُ وَمَن يَستَنصِرُ اللَهَ يَنصُرِ
|
غدَت قُبَّةَ الإِسلامِ العُلى |
وَسارَقَتِ الوُزَراءَ لَحظَةَ اِزوَرِ
|
وَبار بَني العَبّاسِ فيها أُمَيَّةً |
وَجَروا عَلى بَغدادَ ذَيلَ التَبَخُّرِ
|
وَكانَ بِها العُمرانُ يَزخَرُ مِثلَما |
تَلاطَمَ أَمواجَ الخضَمِ المُهدَرِ
|
وَلَمّا رَأَيتُ المَسجِدَ الجامِعَ الَّذي |
بِقُرطُبَةَ مِن فَوقِ التَصَوُّرِ
|
عَضُضَت عَلى كَفّي بِكُلِّ نَواجِذي |
وَقُلتُ لِعَيني اليَومَ دَورُكَ فَاِهمُري
|
هُوَ الجامِعُ الطايم العُبابُ بِوَقتِهِ |
يُحاكي بِهِ عَمّارَهُ لَجَّ أَبحُرِ
|
ظَلَلتَ بِهِ بَينَ الأَساطينِ سائِحاً |
بِفِكري حَتّى غابَ عَنّي مَحضَري
|
تَخَيَّلتَهُ وَالِّكرى يُتلى خِلالَهُ |
نَظيرٌ دَوى النَحلُ مِن كُلِّ مَصدَرِ
|
تَأَمَّل خَليلي كَم هُنا مِن مُهَلَّلِ |
إِلى رَبِّهِ صَلّى وَكَم مِن مُكَبِّرِ
|
وَكَم أَزهَرَت فيهِ أُلوفُ مَصابِحٍ |
وَكَم أَوقَدَت أَرطالُ عودٍ وَعَنبَرِ
|
وَكَم قارِئٍ بِالسَبعِ في وَسطِ حَلقَةٍ |
وَكَم خاطِبٍ بِالسَجعِ مِن فَوقِ مِنبَرِ
|
وَكَم عالَمٍ يَلقى عَلى الجَمعِ دَرسَهُ |
وَكَم واعِظٍ يُمري مَدامِعُ مَحجِرِ
|
وَكَم مَلِكٍ ضَخمٍ وَكَم مِن خَليفَةٍ |
هُنا كانَ يَجثو عَنِ جَبينِ مَعفَرِ
|
تَسُدُّ فَجاجَ المُغرِبينَ جُيوشُهُ |
وَيَبدو هُنا في ثَوبِ أَشعَثَ أَغبَرِ
|
خَليلي تَأَمَّل كَالعَرائِسِ تَنجَلي |
أَساطينٌ قَد تُحصي بِأَلفٍ وَأَكثَرِ
|
أَساطينٌ مِن صُمِّ الجَمدِ مَواثِلُ |
يَذوبُ لَها قَلبُ الحَنيفِ المُفَكِّرِ
|
تَراها صُفوفاً قائِماتٍ كَأَنَّها |
حَدائِقَ نُصَّت مِن جَمادٍ مُشجَرِ
|
مِنَ العَمدِ الأَسنى فَكُلُّ يَتيمَةً |
لَها نِسَبٌ مِن مَقطَعٌ مُتَخَيَّرِ
|
أَجادَت تَحَرّيها قُرومُ أُمَيَّةَ |
مَعادِنَ شَتّى مِن فَلَزٍّ وَمَرمَرِ
|
نَبَت دونَها زَرَقُ الفُؤوسِ وَأَصبَحَت |
لَدى الفَرى تَهُزُّ بِالحَديدِ المُعَصفَرِ
|
وَلَكِن لِفَضلِ الفَنِّ أَلقَت قِيادَها |
فَصالَت بِها الصُنّاعَ صَولَةَ عَنتَرِ
|
فَبَيناً هِيَ الصُمُّ الصَلادِ إِذ اِنثَنَت |
مَقاطِعَ جَبنٍ أَو قَوالِبَ سَكَرِ
|
عَرائِسٌ لِلتَخريمِ فَوقَ رُؤوسِها |
أَكاليلُ دُرٍّ في قَلائِدِ جَوهَرِ
|
وَوَجهٌ إِلى المِحرابِ طَرفُكَ يَنسَرِحُ |
مِنَ الصَخرِ في مِثلِ الطِرازِ المُحَبَّرِ
|
وَحَدَقٌ بِهاتيكَ النُقوشُ وَزَهوُها |
كَأَن فاتَها صُنّاعُها مُنذُ أَشهُرِ
|
وَبِالقُبَّةِ العَلياءِ يَبدو شُعاعَها |
بِأَلمَعِ مِن زَهرِ النُجومِ وَأَزهُرِ
|
لَو أَنَّ الثُرَيّا في سَماها تَعَرَّضَت |
لَظَلَّت تَحَدّى لِلثُرَيّا وَتَزدَري
|
أَقولُ لِخَصمٍ يَبخَسُ العَرَبَ حَقَّهُم |
أَجاحِدٌ نورَ الشَمسِ دونَكَ فَاِنظُرِ
|
وَيا سائِحاً يَبغي مَآثِرَ قَومِهِ |
وَيُنشِدُها في كُلِّ سَهلٍ وَموعِرِ
|
تَطَوَّفَ فَلا تَلَقّاكَ غَيرَ بَدائِعٍ |
يَميلُ لَدَيها كُلَّ عَطفٍ مُخصَرِ
|
تَطَلَعُ فَلا تَلقاكَ السَرادِقُ نائِياً |
وَهَذا بِراسِ الطورِ حِصنُ المُدَوَّرِ
|
وَهَذي رُسومٌ لِلمُنيفِ وَمُؤنِسٌ |
وَقَصرُ السُرورِ الدارِسِ المُتَبَعثِرِ
|
وَكانَ هُنا قَصرُ الدِمَشقِ وَأَنَّهُ |
يثطاوِلُ عَلَيا بَعَلبَكَ وَتُدمِرِ
|
وَزاهِرَةَ المَنصورِ لا شَكَّ جَنَّةً |
تَمُدُّ مِنَ الوادي الكَبيرِ بِكَوثَرِ
|
وَسائِلٍ عَنِ المَنصورِ نَجلَ اِبنُ عامِرِ |
يُجاوِبكَ عَنهُ كُلَّ قَوسٍ مَوتِرِ
|
غَزا في العِدى سَتّاً وَخَمسينَ غَزوَةً |
وَآضٍ بِها طَراً بِنَصرِ مُؤزِرِ
|
خَليلي وَعَرجٌ بِالبُهورِ فَإِنَّهُ |
تَقَطَّعَ عَن أَمثالِهِ كُلَّ أَبهَرِ
|
وَهَذ الَّتي كانَت تُسَمّى شَقَندَةَ |
وَتَدخُلُ في التَخَطيطِ ضِمنَ المَسورِ
|
وَفيها جَرى ذاكَ العِراكُ الَّذي جَرى |
وَرَوى ثَراها بِالدَمِ المُتَفَجِّرِ
|
وَقائِعَ قَيسٍ وَاليَماني وَكُلَّها |
مَصائِبٌ إِن تَذَكَّرَ لَنا نَتَفَطَّرِ
|
وَزَرضَفَةَ الوادي الكَبيؤرِ وَسَحَّ بِها |
وَعَرَّجَ عَلى الجِسرِ الطَويلِ المُقَنطَرِ
|
وَهَذي الطَواحينِ الشَهيرَةِ لَم تَزَل |
كَأَن تَرَكوها أَمسَ لَم تَتَغَيَّرِ
|
قُصورٌ نَبا عَنها قُصورُ مَشيدٍ |
وَعَلياءَ لَم تَعلَم مَشيدَ مُقصِرِ
|
وَأَفنِيَةً تَحكي الجِنانَ نُضارَةً |
وَأَقنِيَةً تَجري عَلى كُلِّ أَخضَرِ
|
وَشَمَّ حُصونٌ لا تَعدُ وَدونَها |
مَقاصِفٌ إِن تَذكُر تَهُزُّ وَتَسكَرِ
|
عَلى هِمَمٍ دَلَّت لَهُم وَقَرائِحٌ |
وَيَعرِفُ بِالآثارِ قَدرَالمُؤثِرِ
|
فَأَخنَ عَلى تِلكَ المَحاسِنِ كُلِّها |
غَرامَهُم بِالإِنقِسامِ المُشَطَّرِ
|
مَحا الخَلفَ مِن أَوضاعِهِم كُلَّ نافِعِ |
وَصوحَ مِن أَعمالِهِم كُلَّ مُثمِرِ
|
وَلَم يَستَفيدوا مِن تَقاطُعٍ بَينَهُم |
سِوى عَيشٍ ذَلَّ تَحتَ نِقمَةِ موتِرِ
|
إِذا آنَسوا أَدنى بَصيصَ لِثَورَةٍ |
تَداعوا لَها كَالماءَ عِندَ التَحَدُّرِ
|
فَكُلُّ الَّذي قَد شَيَّدوهُ بِحَزمِهِم |
أَضاعوهُ حَقّاً بِالشِقاقِ المُدَمِّرِ
|
وَلَم يَبقَ في هَذي الدِيارِ لَنا سِوى |
مَمالِكَ فِكرٍ مِن حُروفٍ وَأَسطُرِ
|
مَمالِكُ لا تَقوى عَلَيها كَتائِبٌ |
وَلا سالِبُ تاريخُها زَحفَ عَسكَرِ
|
إِذا حَضَرتَ ثارَ قَومي وَإِن خَلَوا |
فَإِنّي مِنها في قُبَيلَ وَمَعشَرِ
|
وَأَشعُرُ أَنّي في بِلادي كَأَنَّما |
تُخاطِبُني الأَرواحُ مِن كُلِّ مَقبَرِ
|
وَأَنّي أَرى بِالعَينِ ما لَم أَكُن أَرى |
حَقيقَتَهُ في وَصفِ طَرسٍ وَمَزبَرِ
|
لَعَلَّ الَّذي قَد كانَ مِنهُ بَوارِناً |
يَعودُ عَلَينا خَيرَ وَعظٍ وَمَزجَرِ |