ومجدِكَ ما خلتُ الردى منك يقربُ |
لأنكَ في صدر الردى منه أهيب |
أصابكَ، لا من حيث تخشى سهامه |
عليك، ولا من حيث يقوى فيشغب |
ولكن رمى من غرَّة ٍ ما أصابها |
بمثلك رامٍ منه يرمي فيعطب |
وما خلتُ منك الداءَ يبلغ ما أرى |
لأنك للدهر الدواءُ المجرَّب |
ولا في فراش السقم قدَّرتُ أنني |
أرى منك طوداً بالأكفِّ يقلَب |
أمنتُ عليك النائبات، وأنها |
لعن كلّ من آمنته تتنكَّب |
وقلت شغلن الدهرَ في كل لحظة ٍ |
مواهبُ كفَّيك التي ليس توهب |
ولم أدر أن الخطب يجمع وثبة |
وأن عشار الموت بالثكل مقرب |
إلى حين أردتني بفقدك ليلة ٌ |
تولَّد منها يومُ حزنٍ عصبصب |
فقام بك الناعي وقال وللأسى |
بكل حشاً يدميه ظفرٌ ومخلب |
هلمَّ بني الدنيا جميعاً إلى التي |
تزلزل منها اليوم شرقٌ ومغرب |
شكاة ٌ، ولكن في حشا المجد داؤها |
وندبٌ ولكن هاشمٌ فيه تندب |
صهٍ أيها الناعي فنعيك يعطب |
عضضت الصفا لا بل حشا فاك إثلب |
لسانك يا جفَّت لهاتُكَ أو غدت |
بريقِ الأفاعي لا بريقكِ ترطب |
رويدك رفَّه عن حشاشة أنفسٍ |
هفت جزعاً عما تعمَّى وتعرب |
فدع صالحاً لي وانع من شئت إنها |
ستذهب أحشاء الهدى حين يذهب |
فليتك لي في نعيك الناس كلها |
صدقت وفي فردٍ هو الناس تكذب |
وداعٍ دعا والرشد يقبر والهدى |
يسوف ثرى واراه والوحيُ ينحب |
ألا تلكم الأملاكُ شعثاً تزاحموا |
على من؟ فهل منهم توارى مقرَّب؟ |
أمستعظمَ الأملاك لا بل هو الذي |
إلى الله فيه كلُهم يتقرَّب |
لقد رفعوا منه مناكبَ لم يكن |
لينهضَ، لولا الله، فيهن منكب |
مناكبَ من جسم النبوَّة حمّلت |
إمامة حقٍّ فضلها ليس يحسب |
لقد دفنوا في دفنها العلمَ ميّتاً |
وحسبُكَ نارٌ في الجوانح تلهب |
ويا رافديَّ اليوم قوماً على ثرى ً |
توارى به ذاك الأغرُّ المهذَّب |
قفا عزياً المهديَّ بابنٍ هو الأبُ |
لذي الدين، فالدين اليتيم المترَّب |
سلا كثبَ ذاك القبر يندي صعيدُه |
بريٍّ بني الآمال هل راح ينضب؟ |
وهل روِّضت خصباً بكفٍ عهدتُها |
تنوب منابَ الغيث والعامُ مجدب؟ |
وهل زال من ذاك المحيّا وضاؤه |
فقد راح وجه الدهر للحشر يشحب؟ |
ضعى هاشمٌ سرجَ العلى وترجَّلى |
فما لكِ في ظهر من العزّ مركب |
ودونك تقليب الأكفّ تعللاً |
فقد فات منك المشرفيُّ المذرَّب |
ويا ناهبى دمعي اعذراني على البكا |
فما الناسُ إلا عاذلٌ ومؤنب |
قفا واندبا أو خليّاني ووقفة ً |
يدكّ الرواسي شجوُها حين أندب |
أجامعَ شمل الدين شعّب صدعُه |
ليومك صدغٌ في الهدى ليس يشعب |
وأعجب شيءٍ أن نعشك في السما |
ومنك توارى في ثرى الأرض كوكب |
رمتك بها أيدي المقادير علّة ً |
عييتَ بها ما طبَّها متطبِّب |
رجونا وقد أكدى "الرجاء المخيب" |
نهنِّيك منها بالشفاء ونطرب |
ونجلسُ زهواً مستعدِّين للهنا |
بنادٍ به الأمثالُ في الفخر تضرب |
بحيث قلوبُ الناس، هذا منعمٌ |
سروراً بإنشادي، وهذا معذَّب |
بلى قد جلسنا مجلساً ودّت السما |
أسرَّتُها من شهبها فيه تنصب |
كأنا تأهبنا لأوبة مقبلٍ |
وكان ليأسٍ منك هذا التأهب |
وهل أملٌ في عود مَن ذهبتْ به |
بقاطعة الآمال عنقاءُ مغرِب؟ |
وأقتل ما لاقيتُه فيك أنني |
حضرت ومنك الشخص ناءٍ مغيَّب |
وعندي مما أسأر البين لوعٌ |
تجدُّ بأحناء الضلوع وتلعب |
أقلَّب طرفي لا أرى لك طلعة ً |
يضيء بها هذا النديُّ المطيَّب |
وأنصبُ سمعي لامتداحك لا أعي |
به خاطباً بين السماطين يخطب |
ومما شجاني أن بدأ المجدُ ماثلاً |
يصعدُّ مثلي طرفه ويصوّب |
وقال: وأرخاها جفوناً كليلة ً |
برغمى خلا منك الرواقُ المحجب |
رزيتُ أخاً إن أحدث الدهر جفوة |
عتبت بها فارتدَّ لي وهو معتبِ |
وددّتُ بأن تبقى ، وأن لك الردى |
فداءاً بمن فوق البسيطة يذهب |
حُجَبتَ عن الدنيا، ولو تملك المنى |
إذن لتمنَّت في ضريحك تُحجب |
فلا نفضت عن رأسها تربَ مأتمٍ |
وخدُّك من تحت الصعيد مترْب |
ثكلتُكَ بسّامَ المحيّا طليقه |
فبعدك وجهُ الدهر جهمٌ مقطّب |
أوجهُك حيا أم بنانك أرطبٌ؟ |
وذكرُك ميتاً أم حنوطك أطيب؟ |
وما نزعوه عنك أم ما لبسَته |
لدار البلى أنقى جيوباً وأقشب؟ |
سأبكيك دهراً بالقوافي ولم أقلْ |
من اليأس وجداً ما يقول المؤنّب |
لسان القوافي باسم مَن بعد تخطبُ |
فلا سمعَ بعد اليوم للمدح يطرب؟ |
مضى من له كنَّ القرائحُ برهة ً |
إذا استولدتها قالة الشعر تنجب |
أجل فلها في المجد خيرُ بقيَّة ٍ |
لها الفضلُ يعزى والمكارمُ تنسب |
لئن عزبت تلك الخواطر نبوة ً |
فلا عن ثناهم، والخواطر تعزب |
وإن رغبت عن نظمها الشعر في الورى |
فليس لها عن أهل ذا البيت مرغب |
مضى من له كانت تهذّب مدحها |
وأبقى الذي في مدحه تتهذّب |
لئن أغرب المطرى بذكر محمدٍ |
فما انفكَّ في كسب المحامد يغرب |
فتى ً تقف الأكفاء دون سماطه |
وقوف بني الآمال ترجو وترهب |
أقلُّ علاه أنَّ أذيال فخره |
لهنَّ على هام المجرّة مسحب |
زعيم قريشٍ، والزعامة فيهم |
من الله في الدنيا وفي الدين منصب |
حمولاً لأعباء الرياسة ناهضاً |
بأثقالها في الحق يُرضى ويغضب |
يقلِّب في النادي أناملَ سؤددٍ |
مقبّلها زهوراً يتيه ويعجب |
إذا احتُلِبت يوماً أرت أضرع الحيا |
على بُعد عهد بالحيا كيف تحلب |
أخفُّ من الأرواح طبعاً وإنه |
لذو همة ٍ من ثقلها الدهر متعبُ |
له شيمٌ ، لو كان الدهر بعضها |
لأضحى إلينا الدهرُ وهو محبَّب |
وخلْقٌ، فلولا إنَّ في الخمر سورة ٌ |
لقلتُ الحميّا منه في الكأس تسكب |
لنعم زعيمُ القوم إن يثر لم يكن |
ليلبسَ إلا ما الندى منه يسلب |
لنعم شريكُ السحب يبسط مثلها |
بناناً به روض المكارم معشب |
تهذّبُ أخلاقَ السحاب، وإنها |
متى يجنِ هذا الدهرُ نعم المؤدِّب |
ترى وفدَه منه تُطيف بمورقٍ |
على جود كفيه الرجاء المشذّب |
فقد عرَّست حيث الندى ، لا سحابة |
جهامٌ ولا برق المكارم خلَّب |
أبا القاسم اسمع لا وعي لك مسمعٌ |
سوى مدحٍ ليست لغيرك تخطب |
تجلبت ثوب الدهر، فابقَ ومثله |
لودَّي إذا أخلقتَه تتجلبب |
لئن ضاق رحب الأرض في عظم رزئكم |
فصدرُك منه أي وعلياك أرحب |
وحلمُك أرسى من هضاب يلملمٍ |
وعوُدك من ناب العواجم أصلب |
وما حلَّ رزءٌ عزم من شدَّ أزره |
أخٌ كحسين والأخ الضرب يطلب |
فتى الحزم أما في النهى فهو واحدٌ |
ولكنه في موكب الحزم موكب |
إذا القوم جدُّوا في احتيالٍ فُحوَّلٌ |
وإن قلبوا ظهرَ المجنِّ فقُلَّب |
وإن غالبَ الخطبُ الورى فقريعه |
أخو نجدة ٍ ما بين برديه أغلب |
فلو شحذت فهرٌ بحدّ لسانه |
صوارَمها ما كلَّ منهنَّ مِضرب |
ولو تنتضي منه اللسانَ لصممّت |
بأقطع من أسيافها حين تضرب |
يُصافي بأخلاقٍ يروقك أنها |
هي الراحُ إلا أنها ليس تقطب |
تواضع حتّى صار يمشي على الثرى |
وبيتُ علاه في السماء مطنّب |
قرى ضيفه قبل القِرى بشرُ وجهه |
وقبل نزول النُزل أهلٌ ومرحب |
إذا احتلب السحب النسيمُ فكفُّه |
على الوفد طبعاً جودُها يتحلَّب |
ألا مبلغٌ عنّي الغداة َ رسالة ً |
للحد أبي الهادي يقول فيطنب |
أبا حسنِ إن تمسِ دارُك والسما |
سمائين في أفقيهما الشهب تثقب |
فتلك السما سعدٌ ونحسٌ نجومها |
على أنها بعضٌ عن البعض أجنب |
وهذي السما للسعد كلُّ نجومها |
ويخلف فيها كوكباً منه كوكب |
فلو عاد للدنيا بشخصك عائدٌ |
لأبصرتَ فيها ما يُسرُّ ويعجب |
فمن وجهك الهادي تروق بمنظر |
لها حسنٌ والحمد بالحسن يكسب |
وأحمدُ فيها من بهائك لامعاً |
لوفدك فيه عازبُ الأنس يجلب |
بكلِّ ابن مجدٍ ما نضا بردة َ الصبا |
على أنه فيها لأضيافه أب |
أخو الحزم إما قتَه في لدأته |
فطفلٌ، وإن مارسته فهو أشيب |
بنوكَ بنو العلياء أنجبت فيهم |
لك الله هل تدري بمن أنت منجب؟ |
غطارفة ٌ لا تعقب الشمسُ مثلهم |
ولو أنها في أفقها منك تعقب |
ذوو غررٍ يجلو الغياهبَ ضوؤها |
وغيرهم في عين رائيه غيهب |
أأهلَ النفوس الغالبيات مولداً |
لأنتم على كسب المكارم أغلب |
رقاق حواشي الطبع، طبتم شمائلاً |
بها أرج من نفحة المسك أطيب |
لكم خلقا مجدٍ، فذلك للعدى |
يمر، وهذا للمحبِّين يعذب |
طُبعتم سيوفاً لم يلقْ لنجادها |
سوى منكب المجد المؤثل منكب |
وطنَّبتم أبياتَ فخرٍ أبي العلى |
لكم عوضاً عنها النجومُ تطنَّب |
فما تلك إلا زينة لسمائها |
وهذي بفرق المجد للوحي تضرب |
فدونكموها ثاكلاً قد تلسبت |
ووشيُ بهاءٍ زانها ليس يسلب |
أتت لكم عذراء في ريق الصِبا |
بعصرٍ سواها فيه شمطاءُ ثيّب |
فِداكم من الأرزاء حاسدُ مجدكم |
وإلا ففيكم عاش وهو معذَّب |
طلعتم طلوع الشمس في مشرق العلى |
فلا تغربوا ما الشمس تبدو وتغرب |