طَرَقَ الخَيالُ فَهاجَ لي بَلبالا |
أَهدى إِلَيَّ صَبابَةً وَخَبالا
|
أَنّى اِهتَدى حَتّى أَتاني زائِراً |
مُتَنَكِّراً يَتَعَسَّفُ الأَهوالا
|
بِأَبي وَأُمّي مَن طَلَبتُ نَوالَهُ |
إِذ زارَني فَأَبى عَلَيَّ دَلالا
|
لَو أَنَّهُ خَلَطَ الدَلالَ بِنائِلٍ |
فَأَنالَنا كانَ الدَلّالُ حَلالا
|
بارَزتُهُ وَسِلاحُهُ خَلخالُهُ |
حَتّى فَضَضتُ بِكَفِّيَ الخَلخالا
|
هَذا الخَيالُ فَكَيفَ لي بِمُنَعَّمٍ |
رودِ الشَبابِ تَخالُهُ تِمثالا
|
صَمَتَت خَلاخِلُهُ وَغَصَّ سِوارُهُ |
وَالقُلبُ وَاِضطَرَبَ الوِشاحُ وَجالا
|
ما زالَ يَدعوني بِمُقلَةِ ساحِرٍ |
مِنهُ وَيَنصِبُ لِلفُؤادِ حِبالا
|
حَتّى خَضَعتُ لِحُبِّهِ فَاِقتادَني |
وَأَذَلَّني بِصُدودِهِ إِذلالا
|
جَلَبت دُموعي عَبرَةٌ مِن زَفرَةٍ |
شَجَتِ الفُؤادَ فَأَسبَلَت إِسبالا
|
كَسَبَت لِقَلبي نَظرَةً لِتَسُرَّهُ |
عَيني فَكانَت شَقوَةً وَوَبالا
|
ما مَرَّ بي شَيءٌ أَشَدُّ مِنَ الهَوى |
سُبحانَ مَن خَلَقَ الهَوى وَتَعالى
|
يا رُبَّ خِدنٍ قَد قَرَعتُ جَبينَهُ |
بِالطاسِ وَالإِبريقِ حَتّى مالا
|
أَنهَضتُهُ مِن بَعدِ ما أَسكَرتُهُ |
فَمَشى كَأَنَّ بِرِجلِهِ عُقّالا
|
وَمُهَذَّبينَ أَكارِمٍ لا كارِمٍ |
أُدَباءَ حازوا نَجدَةً وَكَمالا
|
ثاروا إِلى صَفقِ الشَمولِ فَأَشعَلوا |
نَيرانَ حَربِ كُؤوسِها إِشعالا
|
بَوَّأتُهُم غُرَفاً جَعَلتُ تُرابَها |
مَدَرَ العَبيرِ وَعَنبَراً قَسطالا
|
وَخَلَوا بِأَنواعِ النَعيمِ وَلَذَّةٍ |
دامَت وَعَيشٍ ما يُريدُ زَوالا
|
في مَجلِسٍ بَينَ الكُرومِ مُظَلَّلٍ |
جُعِلَت لَهُ أَغصانُهُنَّ ظِلالا
|
وَلَدَيهِمُ حورُ القِيانِ كَأَنَّها |
غِزلانُ وَحشٍ يَرتَعينَ رِمالا
|
قَد حازَ كُلُّ فَتىً لَدَيهِ غادَةً |
رُودَ الشَبابِ خَريدَةً مِعطالا
|
مَمكورَةً عَجزاءَ مُضمَرَةَ الحَشى |
قَد حُمِّلَت مِن رِدفِها أَثقالا
|
كَالشَمسِ تُبصِرُ وَجهَهُ في وَجهِها |
تَمشي فَتَسحَبُ خَلفَها أَذيالا
|
لِلقَصفِ مُتَّكِئينَ فَوقَ نَمارِقٍ |
يُسقَونَ بِالطاسِ الرَحيقَ زُلالا
|
فَإِذا نَظَرتَ رَأَيتَ قَوماً سادَةً |
وَنَجابَةً وَمَهابَةً وَجَمالا
|
رَكِبوا المُدامَ فَأَدبَرَت بِهِمُ عَلى |
سُبُلِ السُرورِ وَأَقبَلَت إِقبالا
|
وَلَدَيهُمُ كَرخِيَّةٌ شَمسِيَّةٌ |
قَد خُلِّيَت في دَنِّها أَحوالا
|
حَتّى إِذا بَلَغَت وَحانَ خِطابُها |
ساوَمتُ صاحِبَها البَياعَ فَغالى
|
مازالَ حَتّى حُزتُها وَخَدَعتُهُ |
وَلَقَد أَطَلتُ عَلى الخِداعِ جِدالا
|
وَأَمَرتُ جالوتَ اليَهودِ بِقَبضِها |
وَاِبتَعتُها فَبَذَلتُ فيها مالا
|
لَم توطَ في حَوضٍ وَلَكِن خُلِّيَت |
حَتّى جَرى مِنها السُلافُ فَسالا
|
خَلَّيتُها وَسطَ الحِجالِ وَلم تَكُن |
إِلّا الكُرومِ لَها هُناكَ حِجالا
|
وَخَزَّنتُها في دَنِّها وَكَسَوتُهُ |
مِن خَيشِ مِصرٍ وَالعَباءِ جِلالا
|
حَتّى إِذا قَرُبَت بِهِ آجالُهُ |
وَلَو اِستَطاعَ لَباعَدَ الآجالا
|
فَطَعَنتُ سُرَّتَهُ فَسالَ دِماؤُها |
فَبَزَلتُها في المُذهَباتِ بَزالا
|
وَكَأَنَّما الساقي لَدى إِبريقِهِ |
بَدرٌ أَنارَ ضِياؤُهُ فَتلالا
|
يَسقيكَ بِالعَينَينِ كَأسَ صَبابَةٍ |
وَيُعيدُها مِن كَفِّهِ جِربالا
|
وَلَنا بِهِ كَأسا هَوىً كِلتاهُما |
توهي القِوى وَتُفَتِّرُ الأَوصالا
|
إِبريقُنا سَلَبَ الغَزالَةَ جيدَها |
وَحَكى المُديرُ بِمُقلَتَيهِ غَزالا
|
بَينا نَرى الساقي بِأَحسَنِ حالَةٍ |
إِذ مَدَّ حَبلاً لِلفِرارِ طِوالا
|
نادَيتُهُ اِرجِع لا عَدِمتُكَ فَاِسقِنا |
وَاِرفِق بِكَأسِكَ لا تَكُن مِعجالا
|
نَفسي فِداؤُكَ مِن صَريعِ مُدامَةٍ |
مالَت بِهامَتِهِ الكُؤوسُ فَمالا
|
فَمَضى عَلى غُلَوائِهِ مُتَحَيِّراً |
سُكراً وَما أَلقى لِقَولِيَ بالا
|
هَذا النَعيمُ فَكَيفَ لي بِدَوامِهِ |
أَنّى يَدومُ وَعَيشُهُ قَد زالا
|
أَصبَحتُ كَالثَوبِ اللِبيسِ قَد أَخلَقَت |
جِدّاتُهُ مِنهُ فَعادَ مُذالا
|
وَبَقيتُ كَالرَجُلِ المُدَلَّهِ عَقلُهُ |
أَشكو الزَمانَ وَأَضرِبُ الأَمثالا
|
سالَمتُ عُذّالي فَآبوا بِالرِضى |
مِنّي وَكُنتُ أُحارِبُ العُذّالا
|
وَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّهُ ما مِن فَتىً |
إِلّا سَيُبدَلُ بَعدَ حالٍ حالا
|
لَمّا رَأَيتُ الناسَ قَد تَرَكوا العُلى |
بُخلاً وَبَعضُهُمُ يُريدُ سَفالا
|
رُعتُ الزَمانَ بِسَيِّدٍ مِن وائِلٍ |
وَاِحتَلتُ لِلحَدثانِ لَمّا غالا
|
فَأَتَيتُ قَوماً مِن حَنيفَةَ لَم يَزَل |
يُعطي يَميناً مَرَّةً وَشِمالا
|
فَإِذا الرِجالُ رَأَتهُ يَوماً بارِزاً |
أَغضَت لَهُ أَبصارَها إِجلالا
|
ذاكَ الَّذي قَمَعَ الزَمانَ بِعِزَّةٍ |
وَعَلا بِسَيفِ أَمانِهِ الزَلزَلا
|
غَلَبَ الرِياحَ فَما تَهُبُّ بِبابِهِ |
يَوماً إِذا هَبَّت صَباً وَشَمالا
|
وَلَو أَنَّ في كِبدِ السَماءِ فَضيلَةً |
لَسَما لَها زَيدُ الجَوادُ فَنالا
|
باقٍ عَلى حَدَثِ الزَمانِ كَأَنَّهُ |
ذو رَونَقٍ عَضبٌ أَجيدَ صِقالا
|
تَلقاهُ في الحَربِ العَوانِ مُشَمِّراً |
كَاللَيثِ يَجمَعُ حَولَهُ أَشبالا
|
حَزِنَت بِلادُ الفُرسِ ثُمَّتَ أَعوَلَت |
شَوقاً إِلَيهِ بَعدَهُ إِعوالا
|
وَتَرَحَّلَت مَعَهُ المَكارِمُ كُلُّها |
لَمّا أَجَدَّ فَأَزمَعَ التَرحالا
|
يا زَيدَ آلِ يَزيدَ ذِكرُكَ سُؤدَدٌ |
باقٍ وَقُربُكَ يَطرُدُ الأَمحالا
|
ما مِن فَتىً إِلّا وَأَنتَ تَطولُهُ |
شَرَفاً وَإِن عَزَّ الرِجالُ فَطالا
|
نَفَحاتُ كَفِّكَ يا ذُؤابَةَ وائِلٍ |
تَرَكَت عَلَيكَ الراغِبينَ عِيالا
|
الناسُ في سَلمٍ وَأَنتَ تَكَرُّماً |
لِلمُعتَفينَ تَحارِبُ الأَهوالا
|
يا اِبنَ الَّذين هُمُ الَّذينَ إِذا اِنتَموا |
زادَ الأَفاضِلَ مَجدُهُم إِفضالا
|
وَإِذا تُعَدُّ خُؤلَةٌ أَلفَيتَهُم |
خَيرَ البَرِيَّةِ كُلِّها أَخوالا
|
لَو كانَ أَدرَكَكَ الأُلى بَذَلوا النَدى |
جَعَلوا يَمينَكَ لِلسَماحِ مِثالا
|
أَحيَيتَ عُثماناً وَمُسلِماً الَّذَي |
بَذّا المُلوكَ وَبَدَّدا الأَموالا
|
وَلَقَد بَنى لَكَ في الذُرى مِن وائِلٍ |
أَبياتَ مَجدٍ ما تُرامُ طِوالا
|
وَلَقَد بَنى لَكَ أَرقَمٌ وَمُطَرِّفٌ |
بَيتاً رَفيعَ السَمكِ عَزَّ فَطالا
|
أَفتى حَنيفَةَ أَنتَ أَجوَدُ واحِدٍ |
كَفّاً وَأَكرَمُ مَن يُعَدُّ فَعالا
|
ما قُلتُ في أَحَدٍ سِواكَ عَلِمتُهُ |
إِلّا رَأَيتُ القَولَ فيهِ مُحالا
|
إِنَّ الخَليفَةَ بَدرُ آلِ مُحَمَّدٍ |
وَلِوائِلٍ أَصبَحتَ أَنتَ هِلالا
|
وَإِذا سَماءُ ذَوي السَماحَةِ لَم تَجُد |
جادَت سَماؤُكَ مَسبِلاً هَطّالا
|
كَم مِن أَسيرٍ قَد دَعاكَ مُكَبَّلٍ |
فَفَكَكتَ عَنهُ القَيدَ وَالأَغلالا
|
إِنَّ السُيوفَ إِذا الحُروبُ تَسَعَّرَت |
بِكَ توعِدُ الفُرسانَ وَالأَبطالا
|
وَلَقَد تَعَرَّضَ قَبلَ أَن أَلقاكَ لي |
بَحرُ النَدى مِن راحَتَيكَ فَهالا
|
وَكَّلتَ نَفسَكَ بِالمَحامِدِ وَالعُلى |
فَجَعَلتَها لَكَ دَهرَها أَشغالا
|
أَقسَمتُ لَولا أَنَّ نَيلَكَ واسِعٌ |
ذَهَبَ النَوالُ فَلَم نُحِسَّ نَوالا
|
بِكَ أَستَطيلُ عَلى الزَمانِ وَرَيبِهِ |
وَلَرُبَّما بَذَخَ الزَمانُ وَصالا
|
أَمَّلتُ مِنكَ نَوافِلاً فَأَصَبتُها |
إِنَّ اليَقينَ يُصَدِّقُ الآمالا
|
وَوَعَدتَني وَعداً فَقَد أَنجَزتَهُ |
وَفَتَحتَ عَن أَبوابِكَ الأَقفالا
|
إِنّي رَماني الدَهرُ مِنهُ بِنَكبَةٍ |
حَتّى حَمَلتُ مِنَ الدُيونِ ثِقالا
|
وَأَرى الحَوادِثَ ما تَزالُ تَنوبُني |
غَرَضاً وَتَقصِدُ في الفُؤادِ نِبالا |