لعمري لقد أنكرتَ غيرَ نكيرِ |
عُبُوسُ الغواني لابتسام قَتيرِ |
كذا هن لا يوقعنَ وُدًّا على امرىء ٍ |
أطارت غُراباً عنه كفُّ مُطيرِ |
وللشَّيب جَهرٌ والشبيبة طُرة ٌ |
وليس جَهيرٌ في الصِّبا كطَريرِ |
عزاؤك عن ظبيٍ طَرير فإنه |
بعينيك إذ شيَّبتَ غير غرير |
رأيت حياة َ المرءِ بعد مشيبه |
إذا زاول الدنيا حياة َ أسير |
خليليَّ هل من نُهية الشّيب عائضٌ |
لمعتاضهِا من حَبْرة ٍ وحَبير |
وبنتِ نعيم في ضبابة عنبرٍ |
تفورُ وطوراً في عَجاجِ عَبير |
برَهْرهة ٍ لم تُغْزَ إلا بناعمٍ |
ولم تُسقَ من ماءٍ بغير نَمير |
مضمّخة اللَّباتِ تحسب نحرها |
من المسك والجاديِّ نحر نَحير |
محجّبة ٌ تحتل عليا خَوَرْنقٍ |
تشارف أنهاراً خلال سَدير |
سَقَتْني بعينيها وفيها وَدَلها |
خُموراً لها ليستْ خمور عَصير |
من الظّبياتِ العاطيات لمُجتنِي |
ثمار قلوب لا لحَبِّ بذير |
تُغيرُ على الجَلْد اللبيبِ فتستبي |
حِجاه ولم تحمل سلاحَ مُغيرِ |
بدرٍّ نثير من حديثٍ تحفُّهُ |
بآخر في سِمطين غير نثيرِ |
تبسَّمُ عنهُ في الدُّجَى فكأنما |
يُضيء الدُّجى منه بروقُ صَبيرِ |
أفيما يُفيدُ الشيب من واعظِ النُّهى |
وفاءٌ بهذا في حكومة ِ زير |
أبى ذاك إلا كلُّ شهمٍ مشمِّر |
لها من مجازٍ واعتنى بمصير |
طوى مدة ً من دهره ذاتَ زُخرفٍ |
إلى أبدٍ ذي سُندسٍ وحرير |
بمنزلة ٍ لا لغو فيها سوى الذي |
بها من غناءٍ مُطربٍ وزَمير |
أرانينُ طيرٍ لا تزال مَليَّة ً |
بكرِّ هَديلٍ تارة ً وصفير |
ألا تِلكُمُ الدار التي حل أهلها |
بناءٍ عن الخطب المخوف شَطير |
خفيرُهمُ فيها من الشر كلّه |
خفيرٌ إليه أمرُ كلِّ خفير |
لهم ما اشتهوا فيها مسوقاً إليهمُ |
مَقوداً إذا شاؤوا بغير جرير |
وليست بها شمسٌ فكل زمانهم |
غدوٌّ وإصالٌ بغير هجير |
بلى كلُّ شمسٍ فوق خوطٍ مهفهفٍ |
على دِعصِ رملٍ يزدَهيكَ وثير |
وعيشٌ بلا موتٍ وكل ملذة ٍ |
يفوز بها الملتذُّ غير مَضير |
أناخ بهم في الأمن خوفٌ أراهمُ |
كأنهمُ يمشون فوق شفير |
نهتهم به أحلامهم أن يثابروا |
على عملٍ للعاملين مُبير |
وإن ابن إبراهيمَ حقاً لمِنهمُ |
وإن كان للسلطان أيّ ظهير |
فتى يُتقَى في السلمِ حشوُ دواته |
كما يُتقى في الحرب حشو جفير |
يرى الحائنون الموتَ يصرف نابه |
إذا بعث الأقلامَ ذات صرير |
إذا ما أثارَ الحقَّ بعد آدِّفانه |
بتحصيله الشافي فأيُّ مُثير |
له حُلم لقمان الحكيم فإن طغا |
سفيهٌ فخلفُ الحلم صولة ُ شيرِ |
وما ظنُّ راجٍ ما لديه بكاذبٍ |
ولا مخُّ راع في ذَراه برير |
بكيرُ العطايا للعُفاة وإنما |
حميدُ نباتِ الأرض كلُّ بكير |
ينيلُ بلا وعدٍ إذا النيْلُ لم يكن |
بغير وعيدٍ قبله وهَرير |
فتى لا يُنسيه الفعالَ اتِّكاله |
على تاج مُلك سالف وسرير |
ولكنه يبني على إرثِ من مضى |
جهيراً من البنيان فوقَ جهير |
أبا الحسنين العلم والجود لاتزلْ |
بنعماءَ ما قامت هضابُ ثبير |
كَناكَ بها لا بالحسين مُسلِّم |
إليك رِقابَ الود غيرَ مُعير |
معظِّمُ قدرٍ منك جدِّ مُعظَّم |
مُكبِّر شأن منك جدِّ كبير |
أبتْ لك أنْ تكنى بحسنٍ مُصغَّرٍ |
محاسنُ ما مقدارُها بصغير |
وقد علم الأقوامُ أنك مُكملٌ |
لك الحسنُ في مرأى ً وغيبِ ضمير |
وما الحسن إلا شيمة ٌ مستقلة ٌ |
بتبصير ذي جهلٍ وجبر كسير |
وأنت الذي لا ينكُر الناس أنه |
هُدى ً لأخِي جوْرٍ غِنًى لفقير |
تُعظِّمُ من شكر الصديق حقيره |
وتَحقرُ من جدواك غير حقير |
لك الدهرَ معروفٌ شهيرٌ وإنما |
تُحب من المعروف كلَّ ستير |
وما أعجبَ المعروفَ تستر فِعله |
ولستَ تراه الدهرَ غير شهير |
إذا زارك العافُون كان إيابُهم |
إيابَ بشيرٍ لا إيابَ نذيرِ |
ولو قعد العافون عنك لَزارهم |
نوالُك من تِلقاءِ خَيرِ مُزيرِ |
كأن الذي يغشى جنابك نازلٌ |
على روضة مَوْليَّة وغدير |
نداك لهم رهنٌ مدى الدهر كله |
بأخضر رِبْعيِّ النبات نضير |
فهنأك الله الفضيلة مِنحة |
ولا زلت في خيرٍ يزيد وخِيرِ |
وهنأك الله الذي أنت أهلُهُ |
برغم العدى من رأي خير أمير |
أمير رأى فيك الذي ليسَ مُشكِلاً |
ووافقه في ذاك خيرُ وزير |
لعمري لقد جَلّى بعين جلية ٍ |
من القوم نظّارٌ فقيد نظير |
تأمل أين الفهمُ والحزم والتقى |
لباغي سفيرٍ فوقَ كل سفير |
فأبصرها فيك الموفّق كلّها |
فولاك ما ولاك غير نكير |
ولما عزمتَ الظّعن كي تفصل التي |
عصتْ كلّ طب بالأمورِ خبير |
رحلتَ على اسم الله أيمنَ رحلة ٍ |
وسرتَ على اسم الله خيرُ مسير |
على ثقة من ناصر الدين أنه |
سينصرُ منك الحقّ خيرَ نصير |
فألفاك ميمونَ النقيبهِ كالذي |
عُرفتَ به في أول وأخير |
ظللتَ له بالغيبِ عيناً يُديرها |
فأيتما عينٍ وأيُّ مدير |
ولما توسطت الأمور كفيتَها |
وأقبلتَ محموداً بوجه بشير |
ولولاك لم تُعدَم دماءٌ ممارة ٌ |
سُدًى من قتيل طائح وعَقير |
إذا ولَعاق العاملين عن الحيا |
عوائقُ بالسلطان ذات ضرير |
ولكن نهيتَ السيف عن سَطواته |
بيُمنك فارتد ارتداد حسير |
وبدَّلتَ خبط العالمين هداية ً |
وقد يهتدي أعمى بنور بصير |
وما كان إصلاحُ الأمور التي التوتْ |
فداويتها من دائها بيسيرِ |
ولكنّ من والى الإلهُ مُيسَّر |
له بأقلّ السعي كلُّ عسير |
ولم تُمتَهن لكنك المرء لم يزل |
مُعِدّاً لعِيرٍ تارة ً ونفير |
فتنفِر في النّفار أيّ محافظ |
وتقعد طوراً أيّ حافظ عير |
تغيب فلا تنفك شُغل مُذاكِرٍ |
وتبدو فلا تنفك نُصب مشير |
يَهش لذكراك العدو وإنه |
ليُضمر في الأحشاء نار سعير |
وقد سُئل الحساد عنك بأسرهم |
فقالوا وما حابوا بوزن نَقير |
مُهذبُ أخلاقٍ مشرَّف همة ٍ |
مثقفُ آراءٍ مُمرُّ مرير |
فأعجِبْ بفضلٍ بان حتى استبانه |
من الناس قومٌ في غباءِ حَمير |
وأعجبْ بفضلٍ بان حتى عنَتْ له |
سِباعٌ من الأعداء ذاتُ زئير |
وحتى غدا يُثني به كلُّ كاشح |
بقول ويتلو قوله بزفير |
أطال عليّ الدهر قومٌ بظلمهم |
وكم لك من يوم عليّ قصير |
فلو كان لي حقُّ تريد قضاءَهُ |
لأ لفيتَ قد جاوزته بكثير |
ولكنّ ما تُسديه فضلٌ منحتَه |
وأنت بترك الفضل غير جدير |
إذا كنتَ شمساً نورها من طباعها |
فكيف بأن نلقاك غيرَ منير |
وكنتَ سحاباً ضاق بالماء وُسْعهُ |
فكيف بأن نلقاك غير مطير |
أبى الله إلا أن تضيء لحائرٍ |
وتَندَى لمستسقٍ إباء قدير |
شكرتُ ولم أسأل مزيداً فزدتني |
دريراً من المعروف بعد درير |
نفحتَ بسيل بعد قَطرٍ وللحيا |
سيولٌ بعَقْب القطر ذاتُ خرير |
مطرتَ وقد أيبستُ حتى بلّلتني |
فعُوديَ ليْن المتن غيرُ هصيرِ |
عليه ثمارُ الشكر بين شَكيرِه |
فيا حُسنَه حَمْلاً خلال شكير |
وقالوا أطلْ في مدحه قلت حسبكم |
رِشائيفليس المستقى بقَعير |
ألا رُبما قَصَّرتُ في مدح ماجدٍ |
وفزتُ بسَجْل من نداه غزير |
وما بي غنًى عما لديك ولو غدتْ |
مفاتيحُ ما مُلِّكتُ عبءَ بعير |
فعِشْ في جوار الله خيرِ مجاوَرٍ |
يُجير بك الأحرارَ خيرُ مُجير |
يدُ الله من ريب الزمان وقاية ٌ |
على خطر للمجد فيك خطير |
فما لك عيبٌ غير أنك لم تدعْ |
أخا كرمٍ جاراك غير بَهير |
وأنك مَنْ أصبحتَ يوماً عشيرهُ |
من الناس طُرّاً ذَمَّ كلَّ عشير |
مَنحتُكها غراء يقطعُ وَخْدُها |
نهار أخي لهو وليل سَمير |
وإن لم أقرظْ منك إلا مُقرِّظاً |
وإن لم أشِدْ إلا بذكر ذَكير |