وقلتُ :
|
(( إذا ارتادني هاجسُ البوحِ يوماً ..
|
أنادي عليكْ
|
أضمُّكَ في غرفة الغرباءِ .. وأبكي ،
|
كأني تلاشيتُ من دفتر البؤسِ يومَ
|
التقى كتفانا ..
|
وبحتُ ! ))
|
تلعثمتُ في دفتري ساعتينِ ،
|
شممتُ على الورقِ المستبدِّ
|
روائحَ ما بَعَثتها يديْ !
|
وما بَرِحَ الخوفُ يلقي أمامي جَزُورَ الكتابة !
|
وكان طريقي اضطهاداً طويلاً ،
|
يمصُّ الدقائقَ من موعديْ
|
جلستُ على آخر السطرِ
|
أحصي خرافي ..
|
وأحملُ في داخل الجرحِ ذاك الثغاءَ الأخيرْ !
|
ومن أول الجوع ِ
|
مارستُ قبل اكتشافِ الحقيقةِ
|
رعيَ الكلامْ !
|
ومن أول الإحتقانِ تعلمتُ ،
|
قبل اختراع الكآبة ،
|
كيف أرشُّ الدموع لترطيبِ همي ،
|
وكيف أداعب خدشَ المرارةِ في داخلي
|
كي أنامْ !
|
وها أنتَ ذا جئتَ تصفعني
|
لتغيِّر فوق الملامح هذي الرتابة !
|
ها أنت مؤتزراً بالشتاتِ
|
أتيتَ لتفرض فوضاكَ ،
|
أهلاً ..
|
وسهلاً ..
|
ركامَ الركامْ !
|
تعال احترق هاهنا في بقية
|
مدفأتي قبل أن يسرق السهد
|
ما ظلّ من حفناتِ الرمادْ
|
يقولون إن الرماد على الحزن
|
مثل الظلال على السفحِ ،
|
مثل النحيبِ على الحلقِ ،
|
مثل الحنينِ على عتباتِ البيوتِ القديمة ،
|
مثل المناديلِ .. فوق الزكامْ !
|
تعال ارتجف ها هنا ،
|
بعضُ جلدكَ يرقص من ضجة القلبِ ،
|
أعلمُ هذا ..
|
وأعلمُ أنكَ آخر خدشٍ يوقِّعه
|
فوق جلدي الزحامْ
|
تعال .. تعال ،
|
وأفرغْ على الجرحِ قِطْراً
|
فلن ينقبوه سوى حين يأذن ربي
|
لقيحكَ أن يفسد الذاكرة !
|
تعال .. اتكئ فوق رأسي ،
|
وقاوم مؤامرة الصمتِ فوق جبيني ،
|
لئلا يؤممني الغير ذات هجوعٍ ،
|
وأنسى الكلامْ
|
تعال احتضر ها هنا ،
|
في فراغي ،
|
كضوءٍ قديمٍ
|
تلوّى على دكّة الليل ،
|
ثم هوى ميِّتاً .. في الظلامْ
|
تعال انتفض ها هنا ..
|
يا صداعي ..
|
ومت في سلامْ !
|
* * * * * *
|
تعيساً ..
|
أشاهدُ وجه الجدارْ
|
وفي داخلي ألفُ طبشورةٍ
|
تستعدُّ بغبنٍ لهذا الحوارْ !
|
(( أنا يا إله الأماكنِ
|
أكره كالموتِ هذي المدينة !
|
أنا أكره الجرعاتِ المقيتةِ منها ،
|
تسافر في شريان عيوني ،
|
تسمِّمُ ذائقتي ،
|
تترسّبُ مثل الدهون القبيحةِ
|
في قعر عقلي ..
|
وأكرهها حين تزحفُ نحوي
|
برائحة الجوعِ ،
|
تقتحمُ الروح قسراً وتأكلُ
|
في عشِّ رؤياي ..
|
بيضَ السكينة !
|
أنا أكره المشي في
|
وسط أحشائها ،
|
ليس عندي طقوسٌ من الغثيان
|
بحجم حقارتها !
|
ليس عنديَ قيءٌ بطول سنيني
|
لأغسل هذي الدهاليز في جوف
|
صدريَ من لعناتِ قذارتها !
|
أنا يا إله الأماكن بذرة بؤسٍ
|
رمتها الطيور هنا .. خطأ ً ..
|
وسقاها بصاقُ المشاةِ ،
|
لتنموَ بين الرصيفِ
|
وبينَ الطريق ،
|
وتأكلَ من غمغماتِ العبورْ
|
أنا قملةٌ سقطت من ضفيرة
|
بنتٍ يتيمة !
|
لها والدٌ دون قلبٍ ..
|
وأمٌ .. ولكن بدون أمومة !
|
أنا بثرةٌ وسط حقل بثورْ
|
أحاول أن أتعامد مع مستوى
|
القبحِ لكنني عاجزٌ عن ممارسة
|
الواقعيةِ في السِرِّ ..
|
دون حضورِ الحضورْ !
|
أنا يا إله الأماكنِ عندي جوازٌ
|
عبرتُ به من حنينٍ لآخرَ
|
لكنه ظلّ دون ورقْ !
|
وعندي ملامح وجهٍ
|
بلا سمةٍ ،
|
تتغيّرُ كل مساءٍ .. بفعلِ القلقْ !
|
وأيقنتُ أن المكان هنا
|
لا يؤرشفني جيداً ..
|
مثلما لا يؤرشف أيُّ الأماكن
|
سقْطَ الهوامشْ !
|
توترتُ ،
|
وامتزجت داخلي الأمنياتُ
|
مع اللعناتِ ،
|
وحاولتُ أن أستفزّ دمي
|
دون جدوى ..
|
أنا يا إله الأماكن جداً
|
فقيرٌ ، ومنذ شهورٍ وكل ُّحروفيَ
|
لم تستلم راتباً واحداً من دميْ ! ،
|
كيف أكتبْ ؟
|
وما زلتُ دون اقتناعٍ
|
أعلِّلُ من ظلَّ منهم بأن
|
القصائد سوف تجيء غداً ..
|
والكتابة في حفرة الكبتِ
|
تخرج أقوى ..
|
وأمضى ..
|
وأرقى ..
|
ومن ظلَّ حتى غدٍ سوف
|
يعرفُ كم كنتُ أكذبْ !
|
أنا يا إله الأماكن
|
لونٌ تسلّل في طيفه
|
الموتُ ، ما زال مرتهناً بالغبار
|
على سطح لوحته الواهنة !
|
إذا شدَّني الليل فوق
|
صليب شجوني غليتُ السكوتَ ،
|
لأنثر من فوقه حفناتٍ من الدمع
|
أكنسها من رصيف السجودِ ..
|
وأكسر عودين من حسرتي ، ثم
|
أدهن جسمي ..
|
وأسمع حين أنام شجاراً على
|
سطح جلديَ بين التمرد .. والمسكنة !
|
أنا ليس تدخلني الأدوية ..
|
كما أنني ، يا إله الأماكن ، لست
|
أزور مكاناً سوى لأزيد على
|
حرقتي الأمكنة ! ))
|
* * * * * *
|
أنا ..
|
وأنا ..
|
ولعلمكَ : عمري إلى الآن
|
خمسون ألف حصارْ !
|
وفي داخلي يتشظَّى الفلاسفة
|
السائرون إلى حيث ترشدهم
|
في المتاهاتِ أنفُ العصا .. أو يلوِّح
|
في أفْقِهِم قبسٌ للنهارْ
|
لحاهم مبللةٌ بشكوكي ،
|
وظلّوا طوال الطريق جياعاً ،
|
وما أطعمتهم عروقي سوى طلحةِ الإنتظارْ !
|
لعلمكَ : عقلي إلى الآن ليس
|
يميز بين الشهية .. والإشتهاءِ ،
|
وبين النهاية .. والإنتهاءِ ،
|
ولا يتخيل شكل "اتخاذ قرارْ" !
|
فلا تندهشْ ، وتأمل ورائي ..
|
عشر سنينٍ .. طفولة ..
|
وأخرى ..
|
كهولة !
|
أين من العمر أجلس
|
في هدأةٍ لأقشِّر جوز الظنونِ العنيدة !
|
لعلمكَ : لم يبق عنديَ ثوبٌ
|
لأرقعه بالنصائحِ ..
|
لا بابَ حوليَ للطارقينَ ،
|
ولا دربَ فوقيَ للسالكينَ ،
|
فوفِّر من النصح واجلس ندخِّن سوياً ..
|
أو ارحل ..
|
فلم يبق إلا لفافة تبغٍ وحيدة !!
|
* * * * * *
|
لماذا ترى يكتبون الوصايا ؟ ،
|
وهل هو أسلوبهم في مغايرة الموتِ ؟ ،
|
أم هي آخر نقلاتهم فوق رقعةِ
|
أرضٍ ستخلو غداً منهمو ؟ ،
|
أم ترى كان حقاً .. حسدْ !
|
لماذا ؟ ، وقد كان أولى
|
بتلك الوصية يومُ الولادة
|
لا يومُ يرتحلون ،
|
ترى أي معنى لرغبتهم بعد ذلك ! ،
|
كم كنتُ مشتبهاً بالسؤالِ ،
|
وتطردني طرقات الإجابة !
|
ويوم ولدتُ
|
كتبتُ بماء الصراخ وصية عمري ،
|
وعشتُ ولم يحترمها أحدْ !
|
مارستُ نفسي هنا
|
أتأمل خلف المكانِ ،
|
وأقلبُ ذاكرتي مثلما يقلب الطفل
|
حصالة المال بعد شهورٍ ،
|
أفتِّشُ جيباً قديماً ،
|
وأفتحُ درجاً عتيقاً ،
|
وأبحثُ ..
|
ما زلتُ أبحثُ ..
|
منذ قرونٍ ..
|
وحتى الأبدْ !
|
وقد كنتُ أجلس في كل مقهى ،
|
وأدخل في كل بيتٍ ،
|
أجوب الشوارع كالحشراتِ الحبيسة
|
تبحثُ عن منفذٍ للخروج ،
|
وعن فرجةٍ لتمرر منها طعام الشتاءْ
|
وكلَّ اصطدامٍ جديدٍ
|
أفيق بكاءً ..
|
أفكِّر في أي أنموذجٍ لأركِّبَ
|
روحي الحزينةَ فوق تراب الجسدْ !
|
تجاهل فمي حين يغدو كلامي
|
نقيعاً من البؤسِ ،
|
لكن تفهَّمْ ،
|
فلن أتحامل وهماً على الغير ،
|
لن أتعارك مع صنم العمر
|
من أجل مجتمعٍ خانقٍ .. وبلدْ !
|
فما هكذا تتجلّى حياتي ،
|
وما هكذا يتهيأ صوتي ،
|
ولكن إذا شئت قل : إنني
|
عاشقٌ مضطهدْ !
|
* * * * * *
|
ترى أيُّ شيءٍ تبقى لنا ؟
|
لماذا مشينا بكلِّ اتجاهٍ
|
ولم نمش ، لو مرةً ، نحونا !
|
تراك تميِّز طعم الفصول
|
إذا نمتَ في وسط البوصلة ؟!
|
تراك تحسُّ بلون الرياحِ
|
إذا كان جسمك صندوقَ شمعٍ
|
ووجهك نافذةً مقفلة ؟!
|
تراك تراقب أوركيدة العمر
|
في غسقٍ غارقٍ في الهواجسِ ،
|
تغسل صوتك في جدولٍ غمست
|
فيه بنت الرؤى رجلها ..
|
وطفت فوقه الروح
|
نرجِسةً مستحيلة !
|
تراك تحمّست يوماً لتختار
|
أطول سنبلةٍ في الحقول ..
|
وتحملها مثل فرشاة رسمٍ ..
|
وتعبر فوق المساء ..
|
وفوق الكلام ..
|
وفوق القبيلة !
|
تراك اتكأت على خصر أنثى ،
|
ونمتْ ..
|
وكان من النور أن بايعتكَ
|
النجوم نبياً لها ..
|
واعتذرتْ !
|
تراك تخيلت يوماً جمالاً كبيراً ..
|
وكانت عيونكَ أضيق مما تخيلت
|
فانسكب الماء منها ..
|
تراك سعيت لأنبوبة الأغنيات
|
التي تنتهي بالغيوم ،
|
وكنتَ مهيضاً بفرحك ..
|
فابتعدت خطواتك عنها !
|
لأنك من سطوة الحزن
|
لا تستطيع التآلف مع
|
حالة واحدة !
|
…………………….
|
…………………….
|
آسفْ !
|
هذيتُ طويلاً !
|
ولا شئ متَّسقٌ مع دروب الخواء !
|
هنا كلُّ سهمينِ عكس اتجاهيهما
|
يرحلانِ ..
|
كأن الصداع .. غريزة !
|
ومنحنياتُ انطفائي تكنِّسُ
|
في النفس حلم الرضا ،
|
والممرَّ العريقَ ،
|
وتطفئ نار الطموحِ المهيبة !
|
.
|
.
|
.
|
.
|
.
|
أغْلقْ حنيني وراءكَ ..
|
وارحل .. لعلي أنامْ
|
لقد نزفتني إلى الموتِ هذي القصيدة ! |