كان علي أشمر ( قمر الاستشهادييّن ) شيخَ ( طريقةٍ ) ابتكرها للعاشقين الوالهين للحريّة المطلقة ، وذلك عندما تحوّلَ إلى مخزنٍ من البارود وانفجر راجلاً في تلٍّ من الجنود الإسرائيلييّن .
|
من بعيدٍ جاءَ ..
|
لا أعلمُ من أينَ
|
ولكنْ من بعيدٍ ..
|
رُبَّما من طعنةٍ في جسدِ التاريخِ
|
حينَ الْتَحَمَ الجيشانِ في ( خيبرَ )
|
فَانْسَلَّ الفتى من فجوةِ الطعنةِ
|
كي يختصرَ التاريخَ في جرحٍ
|
وحتَّى الجرحُ لا يعلمُ من أين الفتى جاءَ
|
ولكنْ من بعيدٍ ..
|
رُبَّما من ( ضَيْعَةٍ ) تجلسُ في أقصى حدودِ القِيَمِ
|
الكُبرَى
|
كما يجلسُ بستانٌ على التلَّةِ في عُزلَتِهِ ..
|
ماجَ الفتى بالعطرِ حينَ اختزلَ البستانَ في قامتِهِ
|
الوَرْدِ ..
|
وحتَّى الوردُ لا يعلمُ من أينَ الفتى جاءَ
|
ولكنْ من بعيدٍ ..
|
رُبَّما حَلْقَةُ صوفِيِّينَ
|
في أعلى جبالِ الوجدِ
|
أَغْرَتْهُ لأنْ يكتشفَ العمقَ الإلهيَّ بِهذا الكونِ
|
فانشقَّ المدى
|
عن عاشقٍ قد نوَّرَ الروحَ بِمِشْكَاةِ يقينٍ عَلَويٍّ
|
ومضَى يسبحُ في كينونةِ الأشياءِ حتّى لامَسَ القعرَ
|
وحتّى القعرُ لا يعلمُ من أينَ الفتى جاءَ
|
ولكنْ من زمانٍ خارجَ العصرِ
|
فَهذا الوَهَجُ الروحيُّ
|
لا يُمكنُ أن يُنجبَهُ عصرٌ من الفولاذِ ..
|
هذي الوردةُ الزهراءُ
|
لا يُمكنُ أنْ تولدَ ـ مهما حَاوَلَتْ ـ
|
من أُمَّةٍ في موسمِ الزقُّومِ ..
|
والله !
|
هُوَ الوعدُ السماويُّ لنَا أن نرثَ الأرضَ
|
هُوَ الوعدُ
|
أتى يحملُ في أضلاعِهِ كوخاً من الإيمانِ
|
معموراً بِحُبِّ الله والأرضِ
|
وطفلٍ ضاقتِ الأسماءُ عن إيمانهِ إلاَّ ( عليٌّ ) ..
|
حَمَلَ الإسمَ لواءً خافقاً بِالقُدْسِ
|
مُمْتدّاً من الثورةِ حتّى الموتِ
|
جيلاً جَبَلِيّاً
|
نَبَتَتْ في فَمِهِ ( اللاَّءاتُ ) أنياباً
|
وربَّاها بِما وَرَّثَهُ الأجدادُ من رفضٍ قديمٍ ..
|
لم تَزَلْ ( لاءاتُهُ ) تكبرُ في الرفضِ فصارتْ
|
بُنْدُقيَّاتٍ
|
ومازالَ ( عليٌّ ) حالماً يركضُ خلفَ الشمسِ
|
مُشتاقاً لأنْ يصطادَ هذي الظبيةَ البيضاءَ في السفحِ..
|
فتستدرجُهُ الظبيةُ للقمَّةِ
|
كيْ يقطفَ أزهارَ الصعودِ الوَعْرِ من أعلى الزمانِ
|
الكربلائيِّ ..
|
( عليٌّ ) عصَّبَ الجبهةَ بِالتاريخ
|
واشتاقَ إلى الرقصِ مع القمّةِ
|
في عُرْسٍ سماويٍّ ..
|
جلا الحُسْنَ الربوبيَّ
|
جلاءً يُطلقُ الروحَ
|
إلى عالَمِها الأسمى متى ترنو إِلَيْهِ
|
فاضَ من بردتِهِ الحسنُ أساطيرَ
|
فكانت ( شهرزادٌ )
|
كُلَّمَا أدرَكَها الليلُ
|
أَجَالَتْ طرفَها فيهِ وسلَّتْ قصّةً من حاجِبَيْهِ
|
واستجارتْ بِالتعاويذِ التي تحرسُ أسرابَ المَهَا في
|
مُقْلَتَيْهِ
|
فَكَسَاها بِهدوءِ الزَغَبِ الناعسِ في أرجوحةٍ من
|
عارضَيْهِ
|
و ( عليٌّ ) زاحفٌ في الحُلْمِ
|
كالنَهْرِ
|
يلفُّ الموسمَ الأخضرَ في ريشِ حماماتِ يَدَيْهِ
|
حينمَا جَمَّرَهُ ماءُ الفُتُوَّاتِ
|
نَوَى العُرْسَ
|
فألفَى كلَّ شيءٍ صارَ أُنثى :
|
النَهْرَ والبيدرَ والبستانَ ..
|
والشمسُ الجنوبيّةُ مدَّتْ عُنُقَ الفَجْرِ على هيئةِ
|
أُنْثَى ..
|
والقُرى اصطفَّتْ صباياً
|
تتشهَّاهُ عريساً كاملَ الوجدِ ..
|
صحا كلُّ سريرٍ شدَّهُ الليلُ على نجواهُ
|
مأهولاً بِنَهْدَيْنِ شَهِيَّيْنِ ..
|
وجاءَ الكلُّ للموعدِ مخموراً
|
ولا بأس ..
|
فهذي خمرةٌ مغفورةُ الإثمِ ..
|
هُنا افترَّ ( عليٌّ )
|
عن فتىً تطلعُ من ضحكتِهِ الشمسُ
|
مشى في خاطرِ الوادي غزالاً مُترفَ اللفتَةِ
|
تختالُ بهِ حُرِّيَّةُ العُشْبِ وروحانيَّةُ الأرضِ
|
و ( آذارُ ) شبابيٌّ على خَدَّيْهِ ..
|
فَافْتَنَّ الفتى عشقاً
|
بَدَتْ فتنتُهُ أعنفَ ناراً
|
من فتيلِ امرأةٍ دهريَّةٍ خامَرَها الشوقُ
|
فهذا ( العامريُّ ) اسْتَدرجَتْهُ امرأةٌ من خارجِ الدَهْرِ ..
|
تجلَّى فرأى ( كِذْبَةَ نيسانَ ) على الدربِ
|
وتَلاًّ من جنودٍ يحرسُ الكِذْبَةَ
|
فيما أشرَقَتْ ( ليلاهُ ) خلفَ التلِّ ..
|
نَادَتْهُ
|
وقد كانَ على بُعْدِ جحيمٍ واحدٍ من جنَّةِ الوصلِ ..
|
هُنا فَخَّخَهُ العشقُ بأشواقِ المُحِبِّينَ
|
فماجَ الجَسَدُ الورديُّ في قنبلةِ الأشواقِ ..
|
فاضتْ لهفةُ التنفيذِ من عينيهِ
|
فاهتزَّ الفتى مخزنَ بارودٍ من اللَّهْفَةِ
|
وامتدَّ فتيلاً نافراً في خفّةِ الضوءِ
|
دقيقاً وجميلاً مثلَ خطِّ الكُحْلِ في جَفْنَيْهِ
|
تحدوهُ تسابيحُ خطوطِ الطولِ والعرضِ ..
|
علَتْ تكبيرةُ الوادي
|
وشعَّتْ في المدى جُرأةُ ( عبَّاسَ ) و ( حَفْصٍ ) و (
|
قصيرٍ )
|
فَتَلَظّى الوجدُ في ترسانةِ القلبِ
|
وثارَ المخزنُ الناريُّ في التلِّ
|
فما نسمعُ إلاَّ :
|
( ارِني أنظرْ إِليكْ )
|
( ارِني أنظرْ إِليكْ )
|
غرقَ المشهدُ في النشوةِ
|
حينَ اختلطتْ رائحةُ الليمونِ
|
بالبارودِ
|
بالأشلاءِ
|
بالجرأةِ
|
بالوَجْدِ الإلهيِّ الذي حَلَّقَ
|
حتّى عَرَجَ العشقُ عروجاً فادحاً
|
فانتصبَ الله من العرشِ لهذَا العاشقِ الداخلِ
|
لِلتَوِّ مدى الكينونةِ الكبرى ..
|
عليٌّ يا عليٌّ ..
|
هذهِ صوفيَّةٌ غابتْ عن ( الحلاَّجِ )
|
في تأويلِهِ الناريِّ للعشقِ
|
فَحَدِّثْ :
|
كيفَ أوْجزتَ المقاماتِ جميعاً
|
في مقامٍ واحدٍ
|
فارتبكَ المطلقُ إعجاباً بِهذي الحالةِ البِكْرِ ..
|
عليٌّ يا عليٌّ ..
|
سرقوا منكَ غزالاً واحداً
|
فانتثرتْ من دَمِكَ الغزلانُ آلافاً
|
وقامَ العشبُ في الوادي على ساقٍ
|
ودارتْ مهرجاناتُ الينابيعِ
|
فلا ساقيةٌ إلاَّ تَمَنَّتْ رقصةً منكَ على زغردةِ الماءِ
|
ولا زنبقةٌ إلاَّ تَشَهّتْكَ رحيقاً للمسرَّاتِ ..
|
وفي ( الخامسِ والعشرينَ من أيَّارَ )
|
شفَّ الغيبُ
|
والتمَّتْ شظاياكَ ( جنوباً ) عائداً يرفلُ في التحريرِ..
|
كان الشجرُ الواقفُ في السفحِ
|
وكانَ الزنبقُ الساهرُ في الجرحِ
|
وكانتْ باقةُ الغزلانِ في أيقونةِ الوادي
|
وكانتْ قُبَّراتُ الشوقِ في حنجرةِ الحادي ..
|
هُنا في موسمِ العودةِ
|
كانتْ تتحرَّاكَ على قارعةِ النصرِ ..
|
وحينَ انفتحتْ كلُّ جهاتِ الأرضِ عن وَجْهِكَ
|
شاهَدْنا السماواتِ
|
تلمُّ الصلواتِ البيضَ من محرابِ ذاكَ الوجهِ ..
|
شاهدناكَ طفلاً قادماً في باقةِ الألوانِ والفُرشاةِ
|
كيْ تصبغَ بِالفرحةِ قرميدَ البيوتاتِ
|
وموَّالَ الحكاياتِ ..
|
أضاءتْ فضَّةُ الصُبْحِ على جسمكَ
|
فانسابَتْ قُرى ( عامِلَ ) في مخملِ ذاكَ الضوءِ ..
|
راحتْ تجتني من فَمِكَ المشمشَ واللوزَ
|
و ( لاءاً ) حُرَّةً مفتولةَ الزَنْدَيْنِ ..
|
( لاءاً ) لم تزلْ مرفوعةَ الحرفَيْنِ ..
|
شعَّ القَمَرُ الطالعُ من جُرْحِكَ
|
يروي سيرةَ الجُرْحِ
|
ووَزَّعْتَ على الوادي
|
هداياكَ من الجَنَّةِ
|
أنهاراً .. ثماراً وعصافيرَ
|
فَلَمْ تبخلْ على ( بيَّارةِ ) الكَرْمِ
|
ولم تكسرْ لِحَقْلِ القمحِ خاطِرْ
|
آهِ !
|
يا ليتكَ وزَّعْتَ على الأُمَّةِ إيمانَكَ
|
كي يكتمِلَ الجوهرُ في قاعِ الضمائرْ
|
أيُّها الزاحفُ نحو ( القُدْسِ )
|
نهراً من دَمٍ يخترقُ التاريخَ ..
|
لا زلتَ ولا زلتَ ولا زلتَ
|
فتىً تنجبهُ كلُّ الحرائرْ |